
عمدت سارة إلى الابتعاد عن يوسف لإحساسها الغامر بالهزيمة، فقد شعرت أن والدته – تلك المرأة الشرقية المستهترة – قد استحوذت على ابنها، وانه لا يعدو أن ينشأ مسالما مستهترا مثلها. وفي إحدى أمسياتها الفاترة استسلمت لذكرياتها القديمة عندما أقبل إليها يوسف وأخذ يبدي لها عن رغبته في الزواج منها بعدما أمضيا جزءا غير يسير من علاقتهما أبعدا ما يكونا عن التفكير في الارتباط. فماذا حدث لهذا الطفل المشاكس الذي خطا فترة طويلة مناضلا مكافحا من أجل إنجاح دراسته.
تذكرت في تلك اللحظة كيف كان يبدو سعيدا مرحا، كيف لم تفلح كل توسلاتها له بالتريث وانتظار ما تأتي به الأيام.
وأخذت تزفر زفرات عميقة، تتساءل وهي تتشاغل بتقليب صفحات مجلتها العلمية في حسرة وحيرة، لماذا لم تصغ إلي؟ لماذا استسلمت لألاعيب والدتك القذرة؟ لقد صرت اكبر من ذلك بكثير، لقد جنيت على نفسك، يؤسفني حقا أنك لم تحسن الاختيار.
لا تدري لماذا استسلمت لهذه الذكريات المشينة فقد مر عليها وقت كاف لطيها في سجل النسيان. لا تدري لماذا أضحت في سنواتها الأخيرة تصغي بشدة إلى هذا الصوت الضعيف المتأجج في صدرها، لا بد أنها تتألم، لا بد أنها تتعذب، فقد سئمت غربتها.
وبعد دقائق ليست بالقليلة فوجئت بطرقات هادئة أيقظتها من هواجسها فانطلقت نحو الباب، وقد بدا عليها التذمر الشديد فطالعتها صورة شاب منهك وحزين. ارتمت عليه وأخذت تمطره بقبلاتها، ثم أدخلته منزلها، بينما انشغل بتأمل جوانب بيتها الفسيحة، وأثاثه الذي ينبئ عن ذوق رفيع المستوى. جلست إلى جانبه، ولم تكف لحظة واحدة عن النظر إليه. بدا لها مختلفا. وضعت يدها في يده وطفقت تمطره بوابل من الأسئلة والاستفسارات.
لم يكن ذلك الشاب سوى يوسف الذي شعر في لحظة ضيق عارم أنه في حاجة إليها. وأخذ يبحث عن عنوان إقامتها، وعندما عثر على منزلها لم يتردد لحظة واحدة في طرق بابه، وامضي ليلته تلك لا يكف عن الحديث إليها، لقد أفضى إليها بكل مكنونات قلبه، باشتياقه إليها، برغبته المحمومة في الارتماء في حضنها.. هذا الأمان الذي ينشده شفاء لقلبه العليل وعقله الجامح وروحه الممزقة.
وأمضى أسبوعا كاملا في صحبة هذه المرأة العصامية التي أنفقت سنواتها الخمس في فرنسا تدرس وتكد وتعمل، أنفقت سنواتها القاسية المجحفة من غير أن تكل أو تمل، من غير أن تفكر لحظة واحدة في الزواج والارتباط كغيرها من النساء، بل وهبت نفسها للدراسة والعلم والتبحر في مجال تخصصها.. وهو لا يزال يذكر عندما كانت ترافقه إلى المكتبة، ويتأمل كيف تمارس طقوسها العلمية. وأخذ يرقب بملكته الفريدة ذلك الأنين الموجع، ذلك القلق المنبعث من عينيها المشعتين، فقد اكتشف كم هي تعيسة بالرغم من الاحترام الذي يكنه لها اقرانها بسبب شهادتها العلمية. وقد حاولت جاهدة سبر أغوار نفسه والوقوف على سبب حزنه.
وفي إحدى ليالي السمر الجميلة جلست إلى جانبه فور تناولهما وجبة العشاء، وأخذت تدردش معه حول مواضيع شتى، حتى إذا قاربت الساعة منتصف الليل مال إليها وسألها في برودة لا مثيل لها:
« لماذا تخليت عني؟؟»
ارتبكت وأخذت تغمغم ببضع كلمات محاولة التهرب من السؤال فسألها مرة أخرى في حزم واضح:
« لقد شعرت وأنا مازلت طالبا أنك تحاولين التهرب مني، لقد شعرت بعدما أمعنت في حبك وتقديرك أنك ستلقي بي عرض الحائط وأن أحوالي لا تهمك، ولا تعنيك في شيء»
قاطعته مستعطفة، وأجابته في لكنة حازمة:
« لا تسيء الضن بي أرجوك، كنت لا تعرف عن علاقتي بوالدتك إلا نزرا، هذه العلاقة القاتمة هي التي دفعتني دفعا إلى أن أتناسى أن لي الحق في أن أزورك وأتقرب منك، لكن والدتك رفضت هذه العلاقة، حاولت أن تستحوذ عليك»
« لا أمي لم تفعل شيئا، كانت تعاملك بمنتهى اللطف، أنت لا تعرفين كم كنت أتعذب بسبب إحساسي بالغربة، إحساسي بأني لا اعرف في هذا الوجود شخصا غير أمي، هذا الإحساس القاتل هو الذي دفعني إلى تجشم المشاق والبحث عنك»
« تبحث عني!!»
« نعم ابحث عنك، كنت أحسبني قادرا على أن أعثر على هوية لي إذا ما رحلت إلى بلد اعتقدت أنها بلدي، وعاشرت قوما اعتقدت انهم اهلي، كنت أحسب ان أيسر سبيل للنجاة، أن خلاصي الوحيد قد يأتي من هذا الغرب الذي أتشدق بالانتماء إليه، اندفعت بكل قواي إلى الانغماس في هذه الحياة الجديدة، أقبرت ماضي المتعفن، تاريخي الهمجي الزاخر بالمعاناة والقلق، زرت الكنيسة، نعم زرت الكنيسة، انغمست في هويتي الجديدة حتى الأعماق، لكني لم اضفر بشيء، ما زلت حبيس ذلك الاحساس القاتل بالتيه والضلال، ما زلت سجين ذلك الماضي الأليم»
« ويحك، هل اعتنقت المسيحية؟؟»
« نعم!»
« أنت لا تعرف عن المسيحية شيئا، كيف تدين بدين لا تعرف عنه شيئا؟؟»
« كنت مسلما لكني لم أعرف عن الإسلام شيئا، لن أرتد القهقرى»
« حسن، أنت سعيد الآن بعد أن أقمت في بلدك واعتنقت دين أبيك؟»
«لقد أخطأت التقدير، اكتشفت مؤخرا أن سبب معاناتي ليس هذا الدين الذي أفنيت جهدي أبحث عنه، لست في حاجة إلى قس»
« ما هو سبب معاناتك؟؟»
« إنه بكل بساطة..»
ولاذ بالصمت، أخذ يرمقها بنظرات حادة ومخيفة ثم أردف وقد ازداد شحوبا وإطراقا.
« أنا لا أعرف سببا لمعاناتي، لست ادري إن كنت محقا في كل ما تخيلته عن المجتمع الذي عشت فيه، أم أنني بالغت في تحقيره وتسفيهه»
ضحكت ضحكة عالية ثم ردت عليه في لهجة متهكمة:
« لماذا تمعن في تعذيب نفسك؟ أنت تبالغ»
قاطعها وقد ابدي جدية في الموضوع:
« أنا لا أبالغ، إنني أتعذب فعلا، لست شخصا عاديا صدقيني»
دنت منه، ووضعت يدها في يده وهمست له:
« أنا أصدقك، لقد عرفت منذ أن تعاملت معك ذات يوم ونحن ما زلنا صغارا انك لست عاديا، بدوت لي شخصا من طراز غريب، نوع لم أتعرف عليه بعد، ذكاءك، فطنتك..»
ابتسم يوسف وهو يقاطعها:
« لست ذكيا كما تحاولين أن توهمي لي، أنا إنسان تافه ضعيف»
« لا تقل هذا، انزع هذه الأفكار السخيفة من رأسك، أنت أقوى من أي شخص أخر، أنت قادر على تخطي الأزمات»
صرخ يوسف:
« حاولي فهمي ارجوكي، ما زلت أعاني من الضياع»
« تريد أن تعرف سبب معاناتك؟؟»
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |