لن أنساك ما حييت…
كتبهاهمسة ، في 29 مايو 2008 الساعة: 19:07 م
أطبق الظلام على كل شيء، و خيم هدوء قاتل. توجهت في بطء إلى غرفتها وشملت المكان بنظرات زائغة، ثم بدأت تذرع الغرفة جيئة وذهابا وهي تغمغم في حيرة وأسى :
- إنها الواحدة وعادل لم يعد بعد، أين هو الآن؟؟ لماذا لم يعد بعد؟
توجهت إلى الباب فأغلقته بإحكام ثم فتحت النافدة على مصراعيها، تطلعت إلى السماء، انتابتها مشاعر متناقضة يشوبها الخوف و الإحباط، لقد ملت من هذه الدموع التي تأبى أن تجف، لقد ملت من دوامة التفكير هذه التي تتخبط فيها خبط عشواء، وعندما أعيتها الحيلة استلقت على السرير وهي تغالب الدمع والحزن، تتوقع عودة ابنها إليها في كل لحظة، لكن الساعات مرت من غير أن يطرق باب غرفتها أو يسمع صريره .
حاولت أن تتسلى، أن تغالط تلك الأحاسيس التي أمعنت في تعذيبها ثم جلست القرفصاء وحملت البوم صورها وبدأت تقلب صفحاته، عندما وقعت عينها على صورة لزفافها طفقت تتأملها في عمق ثم استسلمت لذكريات فاترة عندما أقبلت إليها والدتها وعينيها تشعان بشرا وسرورا وقالت لها في صوت دافئ :
- أبشري بنيتي لقد تقدم إليك رجل يحسدك عليه كل الفتيات!
ارتسمت ابتسامة خفيفة على محياها:
- من يكون هذا الرجل؟؟
- انه رجل من عائلة غنية وفوق هذا كله يشغل منصبا هاما!
قطبت جبينها ثم قالت في صوت خافت :
- أمي قلت لك مرارا أنا لن أتزوج إلا حسن !
- يا ابنتي حسن شاب فقير لن يجلب لك إلا البؤس والشقاء - لكن هذا الرجل …
قاطعتها وهي تصرخ :
- لن أتزوج هذا الرجل أنا لا أريده
غادرت والدتها الغرفة وهي تتمتم:
- ستتزوجينه شئت أم أبيت!
تم الزفاف وانتقلت إلى بيت جديد وكانت الأشهر الأولى رائعة بكل المقاييس حيث أبدى زوجها حبا شديدا لها واهتماما واسعا بها وقد سعدت بهذا الإحساس الجميل الذي يكنه زوجها لها : لكن إحساسها بالسعادة لم يدم طويلا وحلمها الجميل الوديع تبدد إذ ما لبثت أن اكتشفت حقيقة زوجها المرة : انه مجرد رجل فاشل قد برهن لها من خلال مواقفه الصبيانية بأنه غير أهل لتحمل مسؤولية البيت الجسيمة و رغم ذلك حاولت جاهدة سبر أغوار نفسه والوقوف على سبب فشله وانتشاله من مستنقع الرذيلة لكن دون جدوى فأوضاعه تزداد سوءا يوما بعد الأخر إلى أن تعودت على عودته سكرانا أخر الليل يكيل لها اللكمات . وتحملت في صبر وأناة مجونه واستهتاره وعندما اكتشفت خبر حملها أشكل عليها الأمر فلم تعرف أتسعد لهذا الخبر أم تحزن لأجله وعندما أطلعته عليه لم يبد تحمسه الشديد وسعادته المرتقبة لمجيء هذا الطفل. رغم ذلك ظلت مستمسكة به رغم قناعاتها الشخصية بأنه لا يمثل لها مطمحا أو غاية
و مرت السنوات سريعا وأضحى عادل طفلا في عمر الزهور يملا البيت نشاطا وحبورا .
في تلك الفترة علمت بخبر مريع فقد طرد زوجها من عمله بسبب مجونه و استهتاره. لم تقل شيئا واكتفت بدموعها تعبر عن كل ما يجيش في صدرها من غيض وامتعاض .
ثم حملت طفلها وتوجهت إلى منزل والدها فلم يجد بدا من استقبالها في بيته وبعد أيام قليلة فوجئت بأخيها يضرب ابنها ضربا مبرحا لأنه سرق لعبة ابنه، حملت ابنها وصعدت إلى غرفتها.
لقد ظفرت على سبب وجيه يمكن أن يساعدها على فهم سلوك أخيها، يمكن أن يساعدها على فهم طبعه، لماذا يحتقرها؟ لماذا يهينها؟ فهي لا تشبهه انه شاب محضوض يملك مالا، يملك أسرة، أما هي فلا تملك من أمرها شيئا .
كانت تلك هي المرة الأولى التي عرفت فيها قيمتها الحقيقية في هذا المنزل، عرفت أن عليها ألا تطلب شيئا فقط تأخذ ما يوهب لها عن طيب خاطر .
ثم انتشلها فجأة من بحر تفكيرها المضن صراخ مخيف قد دوى خارج الغرفة، استبد بها الذعر واقتربت من الباب متثاقلة فتناهى إلى أسماعها صوت والدها وهو يصرخ :
- اخرج من هذا المنزل؟ لا أريد رؤيتك بعد الآن!
أسرعت إلى عين المكان فوجدت ابنها قد القي أرضا وهو ينطق بكلام غريب لم تفهم منه شيئا، أخذت أسنانها تصطك خوفا وهي ترى والدها بأم عينها يقذف ابنها خارج المنزل ويرسل إليها نظرات زائغة ومخيفة، صعدت إلى غرفتها ولمحت ابنها وهو يترنح في مشيته من شدة السكر .
لم تنم ليلتها تلك، لقد أنهكها التفكير حول مصير ابنها المخز, وعند الصباح فوجئت بوالدها يطلعها على رغبته في أن تبحث عن منزل يصلح لها وتدعه بسلام .
توجهت إلى المعمل وهي تقدم رجلا وتؤخر أخرى وباشرت العمل في صمت، ثم اقترب منها رئيسها في العمل متسائلا :
- ماذا دهاك؟؟ أنت متعبة؟؟ هل هو ابنك مرة أخرى؟؟
ردت عليه في هدوء :
- انه هو لقد طرده والدي من المنزل وسأطرد أنا أيضا إذا لم اعثر على منزل في الأيام القليلة القادمة .
- لقد نصحتك مرارا تخلي عنه اطرديه من حياتك فكري في نفسك، في مستقبلك، صدقيني ستجدين الحياة أمتع بدونه .
ارتسمت ابتسامة خفيفة على محياها كأنها تسخر من كل شيء، حتى من نفسها..
- أنا لست ناقمة عليه، انه ضحية الحرمان، ضحية أخطاء الكبار، والده هاجر إلى فرنسا وبدلا من أن يهتم به انصرف إلى نزواته، كان عليه أن يودع اللعب واللهو ويعمل ليحصل على قوت يومه، وعائلتي تفننت في تعذيبه ولم تلتمس له الأعذار، وطالبتني دوما بان أتزوج وأنجب أطفالا غيره، لكني لن افعل، إنه جزء مني، انه الحب الوحيد الذي أعيش لأجله .
ثم انتقلت إلى منزل جديد ورغم ذلك لم يتغير ابنها .
وفي يوم طرق باب منزلها طرقا عنيفا، هرولت لفتحه فطالعها رجل غريب يلهث بشدة ويصرخ :
- أسرعي سيدتي ابنك ينزف دما لقد طعن بسكين حادة
نظرت إليه واجمة وأبقت على فمها مقفلا , ثم أسرعت إلى المكان فوجدت أناسا كثيرين اجتاز تهم جميعا ورأت ويا هول ما رأت ابنها قد القي أرضا، ملأت الشارع ضجيجا ثم ارتمت عليه و هي تصرخ :
- يجب أن تعود، لن أعيش بدونك، يجب أن تعود
حمل ابنها إلى المستشفى وأمضت ليلتها تلك إلى جانبه، وعندما فتح عينيه رفعا إليها وجها شاحبا كئيبا ثم قبلها وقد سعدت بهذه القبلة كثيرا. وأمضى شهرا كاملا في المستشفى ثم عاد إلى البيت شخصا مختلفا، ودودا وهادئا، فعاملها معاملة رقيقة واستسمجها عن كل ما بدر عنه، وبحث له عن عمل مناسب، و انقطع عن شرب الخمر وابتعد عن أصحاب السوء، وبدأ يعد لها الطعام بنفسه ويتقرب منها بشتى الوسائل عله يضفي عليها بعض السعادة والبشر .
لقد أنستها هذه السعادة كل الآلام التي ألمت بها وكل الإحزان التي مرت بها .
لكن السعادة لم تدم طويلا فقد ألمت بها أوجاع مضنية قضت مضجعها واضطرتها لزيارة طبيب مختص اخبر ابنها بأنها تعاني من سرطان قاتل في المخ .
كان وقع الخبر عليه مريعا ومنذ ذلك اليوم وهو يتمزق حزنا عليها .
و في ذلك اليوم الكئيب عاد من العمل و هو يحمل بعض الفاكهة فوجد والدته قد دخلت في غيبوبة، بدأ يبكي بحرقة، ويحركها فلم تستجب له، وبعد ساعات من الانتظار، فتحت عينيها وطلبت منه كوبا من الماء، فعل دون تردد ثم قالت له :
- لا تفعل بي هذا أرجوك أنا لا أطيق رؤيتك وأنت تبكي
صمتت قليلا ثم أردفت في صوت مرتجف مرتعش :
- لا تخف سأموت وأنا راضية عنك، سترافقك دعواتي في كل خطواتك.
صعدت ببصرها نحو السماء، وشخصت أبصارها وبعد دقائق قالت في صعوبة بالغة :
عدني بأن تتخلى عن أصحاب السوء، ولا تعود
.إلى شرب الخمر
صدرت عنه حركة سريعة وقال لها وقد اختلط صوته بالدموع
لن أنساك ما حييت، لن أنساك ما حييت …
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : رواية - قصة | السمات:رواية - قصة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























