امي ... ذلك اللغز الرهيب الذي يحمل في ثناياه كل اسرار البقاء ..
امي ... ذلك السر العجيب الذي يكمن فيه كل معاني الجمال و النقاء ..
امي ... ذلك اللحن الشجي الذي يتمايل له الجسد و الفؤاد ..
امي ... ذلك القمر الاسر الذي يبدد ظلمة الكون و الفضاء ..
امي ... ذلك اللون البديع الذي أذهل عقول الحكماء ..


<?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" /> 

 

أشباح الماضي..

كتبهاهمسة ، في 7 يونيو 2008 الساعة: 13:33 م

توالت صيحات الأطفال في الشارع، ورقية تتقلب في فراشها، فجأة فتحت عينيها وبدأت تراقب المكان الذي يحتويها، ودقات قلبها تتسارع، جلست منكمشة على نفسها ثم التفتت إلى الساعة فوجدتها قد بلغت الثانية عشر ظهرا، وبدأت تفكر جديا في مغادرة هذا المنزل إلى غير رجعة، والعودة إلى قريتها لكنها تذكرت وعد أحمد لها بالعمل في المطعم فتراجعت عن فكرتها، بدأت تسخر من نفسها كالعادة، تسخر من تلك الفكرة الجميلة التي كونتها عن نفسها أو بالحري التي أوهمها الأخرون بها، فكرة قوة الشخصية وصلابة العزيمة فلما تلجأ إلى الدموع الآن، لم تركن إلى هذا الضعف العقيم، ثم كيف ستواجه مصيرها المخزي في ذلك المطعم إن كتب لها العمل فيه؟ كيف ستتعامل مع وضعها الجديد؟ كيف تستسيغ نظرات الإهانة والتحقير؟ كيف تقبل على مهنتها الجديدة هي التي لم تخلق لأجل هذا العمل، لم تحدث نفسها به من قبل، وعلاماتها الجيدة لا تزال راسخة في ذاكرتها. هبت واقفة وبدأت تذرع الغرفة جيئة وذهابا، ثم أسرعت الخطا إلى الباب كمن يجرب الفرار من كل شيء، و زادت رتابة الوقت وكآبته في تعذيبها. بعد ساعتين فتح الباب فانتفضت كالطائر الجريح وبدأت تصغي بكل جوارحها إلى كل ما يدور خارج الغرفة، لا شك أنه خالد فهو الذي يرفض بتصميم واضح مبدأ إقامتها بالمنزل وقد تحدث عن ذلك صراحة لكنها رغم ذلك لم تغادر المنزل وقد ألمها ذلك كثيرا وبدأت تتجرع مرارة الذل بعد أن استبيحت كرامتها بهذا الشكل المهين.

ثم انتظرت سويعات أخرى ليطرق باب غرفتها، فتحت الباب فبدا أحمد مبتسما كعادته، دلف الباب ثم جلس جلسته المعتدلة وقال في هدوء׃

        _ لقد عرجت على المطعم، وتحدثت إلى صاحبه بشأن توظيفك لديه فأعطاني وعدا بذلك لكن بعد أسبوعين.

اسقط في يدها وطفقت تنظر إليه في ذهول فواصل حديثه׃

        _ عليك أن تعدي الأوراق اللازمة، سيمدك بورقة لتجري التحليلات الطبية اللازمة.

صمت قليلا ثم أردف في لهجة  مغايرة׃

        _ رقية ماذا دهاك؟ ألم أقل لكي تصرفي في هذا المنزل كما يحلو لكي لكنك حتى هذه اللحظة ترفضين الطعام  تأكدي أن إضرابك عن الطعام واستمرارك في البكاء سيضر بصحتك وأنت أحوج إليها الآن أكثر من أي وقت أخر.

قالت في صوت خفيض وهي لا تزال مطرقة׃

        _ لن أقوى على الانتظار أكثر، علي أن أبحث عن عمل في مكان أخر.

        _ لا داعي لهذا اليأس، يجب أن تحمدي الله لأن صاحب المطعم استمهلك أسبوعين فقط وهو لم يفعل ذلك إلا لأجل الصداقة التي بيننا.

        _ تقول هذا وكأن العمل في المطعم يحلو لي.

        _ لكنه الحل الأمثل!

ران صمت طويل، ثم قال وهو يحاول أن يبدد موجة الصمت القاتمة:

        _ لقد اتصلت أمي بي صباحا وقالت بأن ابنة أختي تنوي زيارتي غدا.

        _ ما اسمها؟

        _ سامية هي تحبني كثيرا وقد تعودت أن استقدمها مرات عديدة، إنها مرحة وجميلة مثلك

وشرع يتحدث عن ابنة أخته بإسهاب وهي منشغلة عنه بالتفكير في مصيرها المخزي.

        _ أنا لا أحتمل البقاء هنا أكثر علي أن أبحث عن مأوى يصلح لي، كرامتي المتبقية لن تسمح لي في هذا المنزل أكثر.. ماذا سيقول الناس عني؟ ثم ألا تر بأن صديقك يرفض بقائي هنا وقد تحدث عن ذلك صراحة.

صمتت قليلا ثم أردفت:

        _ إنه محق في كل كلمة قالها!

        _ سأخبره ببعض الحقيقة فيتفهم الأمر.

تراجعت قليلا ثم قالت له مستعطفة:

        _ أرجوك لا تفعل لقد أخبرتك بأشياء تخصني لكني لا أريد للآخرين الاطلاع عليها لن أحتمل ذلك.

        _ لا تخافي لن أخبره أبدا بما يسوءك عليك الاطمئنان

ويبدو أن أحمد مصر على فكرته فما إن قدم المساء حتى أقبل إليها باسما فاستقبلته بوجه شاحب وكيان مذعن، حاولت أن تصده، أن تتوسل إليه ليعدل عن موقفه ويدعها في سلام لكنه بدا مصمما فصدرت عنها صرخة مكتومة عمد إلى إسكاتها،

دفنت وجهها بين ذراعيها وشرعت تنتحب كالأطفال بينما ابتسم و هو يذكرها بالوعد الذي تلقاه منها البارحة.

       _ أنا لم أعدك بشيء إني في حال سيئة، دعني في سلام

       _ لن أغفر لكي ذلك ماذا عن الوعد الذي تحدثت به البارحة؟ ماذا عن ابتسامتك الرقيقة وكلامك الجميل؟؟

صمت قليلا ثم أردف في لهجة قاسية:

       _ انزعي عنك ثوب البراءة، إنه لا يليق بكي

لم تقل شيئا وندمت بشدة لأنها لم تفر بنفسها إلى أي مكان أخر، مكان يحفظ لها كرامتها.

استطرد ساخرا:

       _ من تحسبين نفسك ؟

ارتمت على الأرض وهي تتمتم:

       _ أنا لا أساوي شيئا، أنا أحقر مما تتصور، فقط دعني في سلام أرجوك أتوسل إليك!

استدار وهو يهز رأسه وشرع يخطو في بطء ثم التفت إليها وصرخ في وجهها:

       _ سأدعك في سلام لكني  لن أحتمل رؤيتك في هذا المنزل، إن لم تغادري سأعمد إلى طردك.

ثم غادر الغرفة وبقيت وحدها ترتجف من شدة الخوف وتبكي في حرقة شديدة حياتها التي أضحت فريسة سهلة يتهافت عليها الذئاب.

لقد ضاع كل شيء الآن، ضاع حلمها الجميل، ضاعت زهرة أيامها الحلوة، وأوشك أملها الوحيد بالنجاة على الضياع أيضا، لكنها لن تسمح بذلك، بما ستفيدها الأخلاق؟ بما ستفيدها المبادئ؟ هل ستعيد إليها حياتها السهلة والجميلة؟ هل ستعيدها فتاة طليقة تخطو في بطء لتحقيق أهدافها؟

 غادرت الغرفة في سرعة فلمحت النور ينبعث من المطبخ، توجهت إليه مسرعة فالتفت إليها:

       _ ماذا هناك؟؟

حركت يديها في عنف.

       _ أنت تعرف الموقف صعب!

تغيرت ملامحه فجأة، بدا شخصا مغايرا مسالما وبشوشا وقال في هدوء:

       _ سامحيني لقد قسوت عليك.

       _ أنا أفهمك جيدا لست غاضبة منك!

ثم انفجرت باكية، أنا غاضبة من نفسي، غاضبة من هذا القدر الذي دمر حياتي.

بدأ يدنو منها رويدا رويدا حتى أمسك يدها وهو يهمس:

       _ لا تحملي نفسك فوق طاقتها، حاولي أن تخرجي من هذه القوقعة  التي تحبسين نفسك فيها، تجاهلي الماضي بكل ما يحمله من مآسي  وركزي على المستقبل.

استوقفتها هذه الكلمة الأخيرة _ المستقبل _ ياه كم يخيفها المستقبل!!

 ثم ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها وبدأت تسخر من نفسها كالعادة..

       _ لقد فقدت القدرة على عيش الحاضر فكيف لي أن أقبل على المستقبل؟

       _ أنت الآن مسئولة عن نفسك ثقي بي لا تعيشي على مخلفات الماضي صمت قليلا ثم أردف:

       _ ما حدث لكي ليس النهاية، حاولي أن تتغلبي على مشاكلك وضعي هدفا نصب عينيك، هدف يدفعك إلى الاستمرار،  بهذا الشكل ستتغلبين على الأزمة وتستعيدين شخصيتك الحقيقية.

لقد اقتنعت رقية بكل كلمة قالها لأنها في حاجة إلى شخص يقنعها بأن الدنيا لا تزال بخير، بأن الحياة لا تزال تحتفظ لها بشيء يمكن أن تعيش لأجله.

غادر المطبخ وهو يقول لها:

       _ اذهبي إلى غرفتك أنت متعبة وفي حاجة إلى النوم.

شكرته بعمق وتوجهت إلى غرفتها، ثم استسلمت للنوم.

                             

           .   .   .   .

بالرغم من مرور يومين على مكوث رقية في المنزل إلا أنها لم تستوعب حياتها الجديدة بعد، فهي لا تزال حبيسة ذلك الجزء الخفي من مشاعر الإحباط واليأس التي تعتمل في داخلها. رغم الشهامة التي قل نضيرها البادية من خلال مواقف شتى

للشابين، فهي لا تفهم حتى هذه اللحظة لم يعاملها أحمد بهذه الطيبوبة وكأن الطيبوبة ذاتها تثير لديها أشكالا من الخوف والارتياب فماذا يريد منها هذا الشاب؟ لما قادها إلى بيته؟ ثم وجد لها عملا في سرعة تثير الدهشة والاستغراب معا؟ وما الذي يدفعه إلى إبقائها في بيته حتى هذه اللحظة؟ أليس هذا كله مدعاة للشك والارتياب؟

حاولت أن تستسيغ هذه الطيبوبة فلم تستطع، لأنها فقدت في لحظة قاسية الثقة في كل شيء حتى في نفسها ورغم أن قناعاتها التامة بتفاهة هذه الدنيا وقسوتها بدأت تتزحزح لتحل مكانها أفكارا أخرى لأوجه جميلة وخيرة لهذه الحياة. لكنها رغم ذلك لا تزال تئن تحت وطأة الخوف والإحباط، إنها لا تثق في شخص حتى وإن أبدى لها كل صنوف الطيبوبة والخير. و بدأت تخمن بجدية عن مصدر هذه الطيبوبة؟ أيعقل أن تنتج عن طبع جميل وهادئ أم هي خطة محكمة للإيقاع بها في فخ لا تعرف له أولا من أخر؟

لهذا السبب ولأسباب أخرى عدبدة قررت مغادرة المنزل. و عندما تناهى إلى أسماعها صوت سامبة وهي تقفز هنا وهناك اجتاحتها مشاعر غريبة فأسرعت الخطى نحو الباب ومدت يدها إلى المفتاح وهمت بإدارته في القفل، ثم فجأة تراجعت خطوتين إلى الوراء وبدأت تصغي إلى الطفلة وهي تتحدث إلى خالها في صوت طفولي بريء، ثم انتبهت إلى وقع أقدامهما وهي تتوجه نحو غرفتها، فأعدت نفسها للمفاجأة وما هي إلا لحظات قليلة حتى وجدت نفسها وجها لوجه أمام طفلة رائعة، ابتسمت إليها وبدأت تدنو منها رويدا رويدا حتى إذا لامست يدها منبت شعرها سألتها في رقة متناهية:

       _ ما اسمك؟

فأجابتها في هدوء بالغ:

       _ سامية وأنت ما اسمك؟

انفرجت أساريرها عن ضحكة صافية عذبة.

       _ أنا رقية من الآن فصاعدا سنصبح صديقتين رائعتين. 

احتاجت سامية لبعض الوقت كي تندمج بشكل كلي مع جليستها ويبدو أن هذه الطفلة قد نجحت فعلا في إخراجها من قوقعتها المظلمة حيث أصبحت لا تفارقها مطلقا وأمضيا يومهما كاملا جنبا إلى جنب.

وفي اليوم التالي بدأت رقية رحلة البحث عن سكن يصلح لها، لكنها لم تعثر على شيء يمدها بالأمل فاستسلمت لحالتها القديمة.

حاول أحمد جاهدا إقناعها بالمكوث في المنزل مدة أطول، لكنها رفضت بشدة فرافقها إلى فندق مناسب وشرعت تعد نفسها لخوض تجربة جديدة.

ثم قبل اليوم المحدد لاستلام العمل بالمطعم أقيل أحمد وهو يحمل إليها البشرى فقد عثر على المكان الذي يصلح لإقامتها. رفعت إليه وجها مذهولا وبدأت تتأمل تقاطيع وجهه المستبشرة أبعقل أن يخدمها بهذا الصبر والأناة من غير أن يطالبها بالمقابل هي التي  علمتها الدنيا الخبيثة أن الخدمة لا تتم بالمجان؟! ولم تقو في خضم الخوف والذهول على إخفاء ما يعتمل في داخلها من مشاعر، نظرت إليه من غير أن تثير لديها البشرى قيد أنملة من فرح أو حبور. انتبه أحمد لصمتها المخيف فسألها:

       _ ماذا دهاك؟ ألم تفرحك البشرى إنها الحقيقة لقد قادتني رجلاي إلى المكان الذي يصلح لإقامتك، إنها غرفة رحبة في منزل جميل تؤمه عائلات محافظة وفي حي نضيف،  صمت قليلا ثم أردف:

       _ أ لم يسعدك الخبر؟

هزت رأسها قليلا ثم سألته في صوت هادئ رنان:

       _ لما تفعل من أجلي كل هذا؟ لقد أصبحت مثقلة بديونك ولا أحسبني أقوى  على تسديدها.

أطلق ضحكة رنانة:

      _ أنا مستعد للتنازل عنها!

      _ لكن الدنيا علمتني أن الخدمة لا تتم بالمجان، لا بد لها من مقابل!

تغيرت سحنته وارتسمت معالم الجدية في ملامحه..

      _ لا أفهم ماذا تقصدين؟

      _ في الحقيقة لقد أذهلتني المفاجأة لكن ليست مفاجأة حصولي على مأوى وإنما مفاجأتك أنت بهيأتك المستبشرة، لا يوجد شخص في هذه الدنيا يسعد لأجل شخص أخر..

تراجع قليلا ثم قال:

      _ أنا لا أريد مقابلا لأن ما فعلته لا يحتاج إلى مقابل، لقد شعرت بواجبي الإنساني تجاهك، لقد شعرت بحاجتك إلى المساعدة فلم يطاوعني قلبي على التنكر! 

      _ لست مقتنعة بما تقول أعرف أن ليس من حقي أن أتفوه بما تفوهت به لكنها الحيرة تعبث بي!

رانت لحظة صمت قاتمة، ثم اعتدل في جلسته وشرع يرسل إليها نظرات ذات معنى وقد ازداد بريق عينيه لمعانا ثم قال لها:

      _عندما قصصت لي حكايتك المؤلمة  استعدت شطرا من ذكريات اعتبرتها جزءا من الماضي الدفين.

صمت قليلا ثم أردف:

    - لقد تعرضت أختي لحادث مشابه وقد كانت فجيعتها قاسية لأنها تمخضت عن إنجاب طفلة، لم نقتنع حينها ببراءتها فأنهلنا عليها تعذيبا وقهرا وتزوجت بالجاني وهي الضحية، لم تتحمل الصدمة فماتت بحسرتها واحتفظنا بالطفلة.

بهتت رقية، بدأت تنظر إليه وهو يغالب الدمع، ثم أردف في صوت متهدج:

     _ كنت أحب أختي كثيرا لأنها تستحق هذا الحب فعلا ورغم نقمتي الشديدة عليها إلا أنني تأثرت بموتها كثيرا.

     _ أين هي طفلتها؟

     _ إنها سامية!

اعتدلت في جلستها وقد أذهلتها المفاجأة..

     _ أين يقيم والدها الآن؟

     _ والدتي هي التي ترعاها الآن!

     _ هل يزورها؟

     _ والدها تناسى أمرها تماما، لم تعد تعني له  شيئا، وهي أيضا لا تسأل عنه مطلقا.

صمت قليلا ثم أردف:

     _ قبل أن أحصل على الوظيفة اشتغلت في فندق.

ارتسمت ابتسامة عريضة على شفتيها..

     _ لا شك أن هذه التجربة أفادتك كثيرا!

     _ أتعلمين لقد تعرفت في هذا الفندق اللعين على نوعيات مختلفة من النساء.

لم تقل شيئا، بدأت تصغي إليه في اهتمام وهو يتحدث عن تجربته السابقة..

     _ لقد خبرت معاناتهن وآلامهن وصرت مقتنعا يوما بعد يوم بأن المرأة لا تتخلى عن عائلتها لمجرد الرغبة في التحرر، أو البحت عن الرغبة، إنه القهر والظلم هو الذي يدفعها شاءت أم أبت إلى سلوك طريق …

ثم توقف عن الحديث وندمت بشدة لأنها دفعته بحماقتها إلى استرداد ذكريات مؤلمة لكنها شعرت باطمئنان غريب فهي لا تدري لما شغلت حكاية هذه الطفلة  البائسة بالها، لم أنستها همومها.

و قبل اليوم الموعود توجهت إلى المطعم لتمد صاحبه بالأوراق اللازمة ولتحصل منه على الورقة التي تؤهلها لإجراء التحليلات الطبية اللازمة وبعد أيام قلائل استلمت العمل في المطعم وانتقلت إلى إقامتها الجديدة وهي تودع أحمد بقلب شاكر ممتن.

          .   .   .   .

ودعت رقية سامية وهي تتعلق بأهدابها ثم التفتت إلى أحمد ورجته ألا يحرمها من رفقتها في المرات القادمة، ثم حملت أغراضها بما في ذلك فراش متواضع وطاولة صغيرة قد منحها إياها أحمد عن طيب خاطر، وتوجهت إلى إقامتها الجديدة، استقبلتها صاحبة المطعم وبدأت تطلعها على التعليمات الضرورية، ثم رافقتها إلى غرفتها و هي لا تكف عن الحديث عن جمال منزلها ومكانه الآمن، ثم غادرت الغرفة بعد أن أسلمتها المفاتيح مقابل مبلغ الإيجار.

لقد أصبحت رقية وحدها، بدأت تتأمل جوانب غرفتها، فتحت النافدة على مصراعيها وشمرت عن ساعديها وشرعت في التنظيف، لا تدري كم مر من الوقت وهي تمسح الغبار وتنظف الأرضية ثم اختارت لنفسها مكانا منزويا و بدأت تصغي باهتمام إلى حركة الجيران خارج الغرفة، لغط وصراخ متواصل، فانتابتها قشعريرة سريعة، ماذا سيقول الجيران عنها وهي الفتاة الوحيدة، ماذا سيظن الناس بها وهي تخرج عند الصباح الباكر ولا تعود إلا وقد قاربت الشمس على المغيب؟ وتذكرت في تلك أحمد عندما زعم لصاحبة المنزل بأنه قريب لها حتى تقيل بها نزيلة لديها، فهذه المرأة لا تقيل بإيواء المنحرفات والمشبوهات ولعل هذا الشرط أراحها فعلا لأنه سيخفف عنها وطأة النظرات المتشككة.

حاولت أن تطرد عن نفسها هذه الأفكار المظلمة وتحمل نفسها على هذه الحياة الجديدة لكنها فشلت، بدا المشوار أمامها طويلا ووعرا، فكيف ستقبل على عمل لم تحدث نفسها به من قبل؟ وكيف تستسيغ نظرات الناس من حولها وهم يتأملونها في هبوطها وصعودها؟ في ذهابها و إيابها؟ ألقت على نفسها أسئلة صعبة و مريرة ولم تعثر على إجابات شافية، ثم استبد بها الذعر والخوف فقامت للتو وأحكمت إغلاق الباب والنافدة ثم عادت إلى المكان الذي اختارته لنفسها، تذكرت أن أمامها نهار عمل طويل فقامت وأعدت عشاءا بسيطا ثم تمددت على فراشها وهي تطلب النوم فلم تجد له سبيلا، بدأت تتقلب في فراشها، وحاصرتها الهواجس واستمر بها الحال ساعات عديدة، إلى أن أغمضت عينيها بعد أن قاربت الساعة على الثانية ليلا.                

استيقظت في الصباح على صوت المنبه، فغادرت فراشها مسرعة وتدثرت بثيابها المتواضعة وارتدت حدائها البسيط ثم حملت حقيبتها، وانطلقت إلى محطة الحافلة وهي تحدث نفسها بالعدول عن كل شيء والعودة إلى قريتها فالحياة إلى جنب والدها في ظل الخطيئة أهون ألف مرة من حياة مملة ورتيبة.

أقبلت الحافلة وأقالتها إلى حيث تريد فهبطت متثاقلة وتوجهت إلى المطعم، دلفت الباب بقدمين مضطربتين ثم شملت المكان بنظرة خاطفة وخجولة، بدا لها المكان شاسعا خاليا إلا من عدد قليل من الزبناء، ثم لمحت مالك الفندق وهو مستغرق في الحديث مع إحدى العاملات، تقدمت إليه في خطى بطيئة ومترددة وتمنت في تلك اللحظة لو تنشق الأرض فتبلعها.

كان الموقف صعبا للغاية، لم تشعر بالتردد يجتاحها إلا في تلك اللحظة، فقد خانتها جرأتها حقا، ثم انتبه لوجودها أخيرا فألقى عليها ابتسامة عريضة وهو يقول بملء فيه:

     _ لقد قدمت باكرا أتمنى أن تواظبي على هذا النهج دوما تعالي سأريك مهمتك.

ثم لحقت به وهي تشعر كأنه يسوقها إلى حتفها، ثم اجتازا غرفة شاسعة وضع فيها عدد كبير من الصحون والصناديق، ثم هبطا سلما ضيقا أدى بهما إلى مراب شاسع، ثم دلفا من باب غرفة صغيرة، وطلع عليها بوزرة بيظاء اللون، أمرها بأن ترتديها ففعلت للتو، دلفا باب غرفة شاسعة على هيأة مطبخ، ابتسم إليها و بدأ يشرح لها كيفية العمل.          

سخرت من نفسها وهي تصغي إليه فهذا العمل من الحقارة بحيث لا يحتاج إلى إيضاح أو تفسيرات، باشرت عملها وقلبها ينزف دما فكانت تغسل الأرض وتغسل الصحون من غير أن تنبس ببنت شفة والعاملات من حولها يثرثرن حول مواضيع شتى، يتهامسن ويضحكن في صوت عال. استمر بها الوضع بضع ساعات قبل أن يدنو منها شخص يرتدي ملابس عادية ويقول لها في صوت خافت:

     _ هذا يومك الأول الذي  تباشرين فيه العمل هنا!

في تلك اللحظة التفتت إليها إحدى العاملات وقالت لها في صوت أشبه منه إلى الهمس:

     _ لا تصدقيه، إنه كاذب

لم تفهم رقية شيئا، التفتت إليها وهي تطلعها على أسرار العمل والشخصيات التي تحوم في مسرح هذا المطعم، شعرت أن عليها أن تقول شيئا، أن تبدي ولو تعليقا بسيطا لكنها لم تفعل، وإزاء إصرارها على الصمت تابعت العاملة:

     _ عليك أن تكسبي ثقة جواد فلا يهددك بالطرد فيما بعد!

استبد بها الذعر وهي تصغي إليها وخرجت عن صمتها الطويل وبدأت تتمتم:

     _ الطرد! من يكون جواد هذا؟

قهقهت العاملة  وهي تردف:

     _ أنه صاحب المطعم هو لا يملك هذا المطعم فقط بل مشاريع عديدة وتذر عليه بالمال الوفير.

             .   .   .          

أمضت رقية قرابة شهرين وهي تغالب وحدتها القاتلة، بدا المشوار أمامها طويلا وو عرا. حاولت جاهدة أن تتعود على حياتها الجديدة، وبدأت تتقرب من العاملات علها تقتل الكآبة التي تخيم عليها، فتوطدت علاقتها بسميرة زميلتها في العمل. بدأت تحكي لها عن معاناتها وتبث لها أحزانها.

انتبه جواد لجمالها الأخاد وبدأ يتقرب منها محاولا إغراءها بما يملكه من مال فرفضته بحزم وصدته عنها في قوة فكان طبيعي جدا أن يطردها من المطعم ووجدت نفسها عرضة للضياع وقضت أسبوعا كاملا وهي تحاول أن تجد عملا في مكان أخر، لكنها لم تعثر على شيء يمدها بالأمل ويعيد الهدوء إلى نفسها. وعندما أعيتها الحيلة اتصلت بأحمد بعد تردد طويل، إنها لا تريد رؤيته، إنها تحاول جاهدة أن تتناسى تجربتها المريرة معه، لكنه وحده القادر على إنقاذها من براثن الضياع، وحده القادر على مدها بحبل النجاة، فلم تتلقى ردا على مكالماتها. ثم توجهت إلى صديقتها سميرة وهي تأمل بان تعثر لديها على الحل.

« كان عليك أن تتقبلي دعوته، صدقيني شخصيتك المثالية هذه لن تفيدك في شيء، ستضطرين إلى خوض تجارب أعنف من هذه بكثير»

لم تقل شيئا، أبقت على فمها مقفلا، فيما تابعت جليستها حديثها تروم إقناعها:

« لو أنك قبلت دعوته لأمطرك بالمال ولحلت جميع مشاكلك»

صدرت عنها زفرة عميقة.

« أنا لا أريد أن أبيع جسدي بهذا الثمن البخس، أن اموت واقضي نحبي خير لي من ذلك»

« إذن تحملي العواقب، الجوع والعري، من أين ستدفعين ثمن الإيجار، ستموتين جوعا صدقيني»

استمرت  رقية في البحث إلى أن أقبلت ساعة الفرج إذ عثرت على عمل في مطعم أخر، وتعرفت في مسرح المطعم على شخصيات عديدة، وتعرضت لعمليات إغراء متواصلة من طرف زبناء المطعم وعماله فتحملت في صبر وأناة سيناريو الإهانات المتكرر. وكانت البداية صعبة وشاقة لكن مع الوقت تعودت على كل شيء، تناست مبادئها، وتجاهلت ماضيها، وعايشت الواقع المهين بكل ما يحمله من قاذورات وأمراض. ثم تخلت عن العمل في المطعم عن طيب خاطر لتستبدله بعمل أخر في مكان أخر، عمل يذر عليها بالمال ولا يضطرها إلى أن تستيقظ باكرا وتقضي الساعات الطوال أمام جبال من الصحون.

كانت تتحاشى الإصغاء إلى ذلك الأنين الموجع، إلى ذلك الصوت الضعيف يستجديها أن تنقذ نفسها من الغوص في مستنقع الرذيلة، لكنها عمدت إلى إسكاته.

كان من بين الأشخاص الذين تعرفت إليهم رجلا فرنسيا في الخمسين من عمره مقيم في الدار البيضاء.

كانت معرفتها لهذا الرجل بداية لمرحلة جديدة. فقد منحها الإحساس بالأمان وأمدها بالأمل فتشبثت به خاصة بعدما أبدى إعجابه الشديد بها.

لم تكن سعيدة بالتغيير الذي طرا على شخصيتها، حاولت أن تقنع نفسها مرارا بان الظروف القاسية هي التي اقتادتها إلى هذا المكان، إلى خوض هذه التجربة المريرة، لكنها لن تسامح نفسها وتفننت في تعذيبها. كانت تعيش حالة من التخبط الشديد، وفكرت مرارا في أن تضع حدا لحياتها.

استمرت علاقتها بصديقها الفرنسي سنة كاملة اكتشفت خلالها أوجها لحياة مختلفة، لكن إحساسها بالأمان لم يدم طويلا، فقد أقبل اليوم الذي اختفى من بين أيديها ، اتصلت به مرارا دون جدوى توجهت إلى بيته فوجدته مقفلا، وأمضت أسبوعين كاملين وهي تبحث عنه عبثا. واستولى عليها قلق شديد، شعرت بأنها أضاعت أملها الوحيد في النجاة. ماذا عن الوعود الكاذبة؟ ماذا عن الأحلام الوهمية بالرحيل إلى فرنسا واستعادة الشرعية الحقيقية في العيش في المجتمع دونما خوف أو إقصاء. لقد تبخر كل شيء فجأة، واعترفت بواقع طالما أقبرته: إنها.. إنها  رقم حقير في سوق البغاء.

أحست بتغيرات عميقة، بألم وتعب شديدين اضطراها لزيارة طبيب أخبرها بأنها حامل.

كان وقع الخبر عليها مريعا، وبدأت محاولاتها المتكررة في التخلص من الجنين . اسودت الدنيا في عينيها، وضاقت عليها الأرض بما رحبت، وفقدت الرغبة في الاستمرار. لكن ساعة الفرج ما لبثت أن أقبلت، حيث أطلق هاتفها رنات أعادت الأمل إليها. كان المتصل صديقها الفرنسي وشعرت بانفراج عجيب. أسرعت إليه فوجدته ينتظرها في مكانهما المعهود. لم تلمه لأنه تخلى عنها. ابتسم وهو يطلعها على ما جد في حياته من أخبار:

« أنا أسف لأني أخفيت عنك حقيقة مريرة»

سألته في لهفة:

« ما هي؟؟»

« أنا أعاني من مرض القلب، لقد نصحني الأطباء بالاحتراس من شرب الكحول والسهر لكني لم اعمل بالنصيحة فكانت النتيجة أزمة قلبية كادت أن تقضي علي»

تمتمت في صوت خافث:

« لماذا لم تخبرني؟»

« خشيت من فراقك»

« لن أتخلى عنك، أنت لا تعرف كم أحتاج إليك»

عندما أنجبت مولودها اعترف به ومنحها منزله عن طيب خاطر. وبدأت صحته تتدهور يوما بعد الأخر إلى أن قدم اليوم الذي اختطفه الموت منها.

لم تندم مطلقا لأنها تعرفت على هذا الرجل، ولم تندم مطلقا لأنها أنجبت منه مولودا. هذا الطفل الذي غير مجرى حياتها. لقد منحها دعما حقيقيا وقوة أكبر للكفاح من أجل الاستمرار في الحياة بعزيمة أكبر وإصرار أكبر. وألت أن تعمل ليل نهار لتبلغه بر الأمان.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر