أشباح الماضي..
كتبهاهمسة ، في 7 يونيو 2008 الساعة: 14:13 م
ذات صباح شاهد أصحاب القرية الفقيرة سيارة، فاستغربوا الأمر، وأسرع بعضهم إلى بعض يحدث صاحبه بما شاهد ورأى وكأنهم لم يشاهدوا سيارة في حياتهم قط. أما تلك السارة فقد حطت بالقرب من منزل تآكلت جدرانه وأصبح مهجورا إذ لم يعد يسكنه أصحابه. إنه منزل عائشة التي رحلت عنه وتنكرت له فلم تعد تزره بل رضيت بالعيش مع شخص غريب عن القرية.
استغرب السكان إذ كيف تحط هذه السارة بالقرب من هذا المنزل، وكم كانت دهشتهم عظيمة عندما لمحوا رقية تنزل من السيارة مرأى العين. أما خبر مجيئها، وظهورها المفاجئ فقد انتشر في القرية مثل البرق، حيث استعادت القرية الصغيرة قصتها القديمة، وتساءل الأهالي في حيرة كيف استطاعت أن تقتني سيارة يضاهي ثمنها الملايين، ثم.. ثم ما قصة ذلك الطفل الذي لا يفارقها؟
نظرت إلى أعينهم الحائرة وسألت عن أختها ووالدها بعض الجيران فوقفت على قصة عائلتها التي تشتت وهام كل واحد من أفرادها على وجهه فأخذ الحزن منها مأخذا عظيما، ثم أسرعت إلى عمها الذي لا يبعد مسكنه عن القرية كثيرا، وتعرفت على عنوان أختها.
وما هي إلا أيام قليلة حتى نزلت ضيفة على أختها كادت تطير من شدة الفرح فأبدت لها استغرابها الشديد إذ ما قصة هذا الطفل الذي لا يفارقها؟
ما إن اختلت بها حتى أفضت لها بحيرتها فقصت لها عن حكايتها مذ انسلت من القرية أشبه بلص هارب، وكيف رحلت إلى الدار البيضاء بواسطة النقود التي سرقتها من مخبأ والدها، وكيف عانت الأمرين حيث فوجئت بالذئاب تطاردها من كل جانب. وكيف تعرفت إلى رجلها الفرنسي الذي أنقذها من براثن الضياع فأنجبت منه طفلها ووهبها منزله الفاخر عن طيب خاطر، وكيف عاشت من الأموال التي درها عليها إيجار المنزل. وكيف استبدلت حياة الشقاء تلك بحياة هنيئة تأكل أطيب طعام وتشرب أشهى طعام تهنأ برعاية طفلها الذي أسمته يوسف.
صمتت لحظة وقد لاح الدمع في عينيها سافرا:
« كنت أريد أن أعيد البسمة إلى وجه أبي فيرضى عني»
دنت منها عائشة تخفف عنها حزنها على فقدان والدها.
« لقد مات أبي والدموع لا تفارق عينيه، حزنا عليك وخوفا عليك من الوحدة والليل وما نقم عليك إلا لأنه يخاف عليك من شدة الحياة ومحنتها»
استوقف عائشة هاتف غريب فالتفتت إليها وسألتها:
« هل أنت راضية عن نفسك؟ ويوسف ما هي هويته؟»
« لا تعنيني هويته في شيء، لقد تعمدت أن احتفظ بجنسيته الفرنسية، لم أحاول مطلقا التفكير في البحث عن سبل لتغييرها، لا تعنيني هويته في شيء، المسلم هو الذي تنكر لي، خدعني، هو الذي اغتالني، هو الذي تنكر لي، لا تعنيني هويته في شيء»
أسفت عائشة:
« أختي أخشى عليك من غدر الزمان»
« أنا لا أخاف الزمن، لا أخاف الأيام، هذا الزمن الذي يعاقب المرأة ويحجر عليها، بينما ينعم الرجل بحريته يفعل بها ما يشاء»
صمتت قليلا ثم أردفت في صوت اختلط بدموع حارة ساخنة:
« لو وجدت مسلما واحدا يأخذ بيدي وينقذني مما عانيته لما ترددت لحظة واحدة في قبول الارتباط بفرنسي، لم أكن في ظرف يسمح لي بمناقشة هذا الأمر، أنا لا يعنيني إسلامه في شيء، لأن أصحابه نبذوني وظلموني»
…………
هناك في أحد الجبال الشامخة، تعود سعيد أن يمضي يوم عطلته يلهو مع بعض أصدقائه. وفي هذا اليوم المشمس الجميل بكر كعادته وحمل بعض أمتعته وانطلق إلى مكان ما من منتزهات أغادير الجميلة، يقود دراجته الصغيرة، فقضى يوما جميلا. وفي طريق الرجعة سقط من على الدراجة فأصيبت رجله اليمنى وحمل إلى منزله منهارا.
هلعت عائشة عندما رأت زوجها يتعثر في مشيته والدماء تسيل من رجله بغزارة، فأسرعت تحضر بعض الأدوية تحاول أن تحد من نزيف الدم، ثم أخذته إلى مصحة بالقرب من منزلها فضمضت رجله ونام نوما هنيئا متناسيا ألامه المبرحة.
عند الصباح فوجئ بآلامه قد سكنت فانطلق إلى عمله كأن شيئا لم يحدث.
مضى شهر على تلك الحادثة، لكن سعيدا لم يبالي بحدة الآلام التي كان يشعر بها كلما أثنى رجله أو أنهك جسمه بالمشي. وبعد أن ازدادت ألامه حدة وقضت مضجعه خضع رجله للفحص لدى طبيب مقتدر أخبره بأن جرحه البسيط الذي أهمله قد تحول على سرطان قاتل.
عندما تلقى سعيد تلك الكلمات من طبيب مقتدر انهار كليا وامسك رجله بقوة يتحسس مواطن الألم..
منذ ذلك اليوم وهو ينتقل من طبيب إلى أخر محاولا إيجاد طريق تخلصه من ألامه المبرحة. وفي أخر المطاف قر رأي الأطباء على استئصال رجله مخافة أن يستفحل المرض وينتقل إلى بقية جسمه. فكان يوما عصيبا، أو بالأحرى أياما عصيبة فقدت الأسرة الكثير من اطمئنانها ونقودها.
وفي يوم أخبر عن طبيب قد يعثر لهذا المسكين على حل ينقده من طائلة استئصال رجله، فهرع إليه، وعندما بلغ الدار البيضاء هو وزوجته أثرا أن يعرجا على منزل رقية التي استطارت من شدة الفرح، واستقبلت ضيوفها هاشة باشة، لكنها ما إن وقفت على أسباب زيارتهم لها حتى قطبت جبينها ووجمت هلعة.
جلست عائشة وهي تذرف دموعا ساخنة إذ ليس لها سلاح غير البكاء. تندب حضها العاثر.
« لقد قضى شهرا في المستشفى، لا بل شهورا عاجزا عن المشي، لا يقوى على الحركة، لقد بلغ به المرض اللعين مدى بعيدا، إنه عاجز لا يعرف ماذا يفعل»
صمتت لحظات ثم أردفت في صوت مرتعش:
« لكني نصحته بان يعالج رجله، رفض وتماطل وهذه هي النتيجة»
غادرت عائشة منزل أختها تمسك زوجها بقوة وتساعده على المشي. وقبل أن تضع رجلها على عتبة الباب التفتت إلى ابنتها فوجدتها مستلقية على الكنبة تغض في نوم عميق.
وبقيت رقية وحدها تنتظر عودة أختها في لهفة. انتابها شعور غريب، وتوجست خيفة من هذا التأخير. وعندما ملت من الانتظار صعدت إلى الشرفة التي تطل على الشارع الممتد وهي تنظر إلى الساعة ولا تكف عن الحركة « لا يعقل أن يمكثوا في العيادة إلى هذا الوقت!»
ثم شرعت في المشي يمنة ويسرة تحاول أن تتسلى، أن تغالط هذا الإحساس الغريب الذي استولى عليها.
لقد مرت ساعات طويلة وهي قابعة في مكانها من الشرفة تتسلى بالنظر إلى الساعة، أو مشاهدة الشارع الهادئ، وعندما ازداد قلقها هبطت مسرعة فقد قررت أخيرا أن تقف على أسباب تأخر أختها هذا المريب.
ما إن همت بمغادرة المنزل حتى طرق الباب طرقا عنيفا فهرولت لفتحه وطالعها رجل غريب لم يسبق لها أن رأته من قبل، يلهث بشدة كأن رجلا تعقبه جريا. قال لها في صوت متلعثم:
« أسرعي سيدتي، لقد صدمت أختك!»
نظرت إليه واجمة، حاولت أن تصدقه، رمقته بعينين زائغتين وخاطبت نفسها في عنف « ما بال هذا الرجل؟ أيهدي أم ماذا؟!» لكن الرجل لم يمهلها بل أردف قائلا:
« لقد صدمتها شاحنة ضخمة، إنها بالقرب من هنا»
هرعت إلى مكان الحادث بدون وعي، وجدت أناسا يملئون الشارع، اجتازتهم جميعا ورأت ويا هول ما رأت، أختها ألقيت أرضا لا تكاد تعرفها، صرخت في قوة، ملأت الشارع ضجيجا، صمتت لحظات ثم عادت إلى العويل، ثم ارتطمت على أختها تجهش فيما يشبه الأنين:
« لن أراك بعد اليوم، يجب أن تعودي، من أجلي أنا ستعودين، يجب أن تعودي!»
ثم سقطت خائرة القوى.
كان حادثا مؤلما تحدثت عنه الجرائد وتحملت إثره رقية أبشع النتائج.
لكن سعيدا لم يشارك زوجته أحداث هذا السيناريو المريع حيث نقل إلى المستشفى فور إجراء الفحص فقبع على أحد الأسرة ينتظر زوجته التي أبت الرجوع. ولم يسأم من السؤال عنها، وشرعت رقية تبحث له دوما عن أعذار تلهيه به عنها. فهي لا تريد أن تطلعه على خبر وفاة زوجته خشية أن يتضاعف مرضه فيقضي عليه. وعندما ازداد إلحاحه أخبرته كذبا عن رحيلها إلى أغادير.
لم تستسغ هذا الجواب إذ كيف ترحل إلى أغادير من غير أن تطمئن عليه وتودعه.. هكذا شعر أن أمرا ما طرأ على زوجته، لكن عقله ذهب بعيدا فهو يتخيلها دوما قد ملت من مرضه هذا الذي لا يرجى شفاؤه، أو كرهته خاصة بعدما تقرر انتزاع رجله فيشل عن الحركة، وجوده وعدمه سواء « إنها تحاول التخلص مني»
حان موعد إجراء العملية فلم يحتمل جسمه تلك الآلام المبرحة فلفظ أنفاسه الأخيرة تحت وطأة الألم.. هكذا لحق بزوجته من غير أن يعرف عن مكانها شيئا.
وانتقل خبر وفاة عائشة إلى القرية الريفية فأسفت لهذا الخبر وأصرت عائلة طليقها يحيى على احتضان الطفلة فنشب صراع عنيف بين هذه العائلة ورقية التي أصرت على احتضان الطفلة فهي أحق بها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























