امي ... ذلك اللغز الرهيب الذي يحمل في ثناياه كل اسرار البقاء ..
امي ... ذلك السر العجيب الذي يكمن فيه كل معاني الجمال و النقاء ..
امي ... ذلك اللحن الشجي الذي يتمايل له الجسد و الفؤاد ..
امي ... ذلك القمر الاسر الذي يبدد ظلمة الكون و الفضاء ..
امي ... ذلك اللون البديع الذي أذهل عقول الحكماء ..


<?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" /> 

 

أشباح الماضي..

كتبهاهمسة ، في 7 يونيو 2008 الساعة: 14:24 م

لقد تعود أن يجلس إلى جانبها تلقنه مبادئ خصوصياته الحضارية « هؤلاء الناس من حولك ليسوا إلا هوام، إنهم مثال ناطق للهمجية والتخلف، لست منهم، ستتميز عنهم، ستتفوق عليهم، دماؤك ليست دماءهم، هويتك ليست هويتهم»

مكثت وردة في منزل خالتها، وتعودت يوما بعد يوم على غياب والديها فلم تعد تسأل عنهما، لكنها أضحت وحيدة، حيث لم تجد شخصا تحادثه أو تلهو معه، خاصة بعدما الفت اللهو مع أبيها، إذ كان يحملها على كتفيه ويحادثها. وكلما حاولت اللهو مع يوسف صدها عن طريق فنشأت أحاسيس مشبعة بالنفور بينهما ازدادت قوة يوما بعد يوم.

لم تكن رقية تعر أي اهتمام لابنة أختها، ولم تكن تأبه لهذا الطبع المتنافر بينها وبين ابنها، أما وردة فقد شبت نافرة من يوسف.

يوسف الذي تلألأت على سيماه نجابة لا تخطئها العين، فقد تعود أن يحصد النتائج الجيدة دائما والمراتب الأولى. كان يحضى دوما بإعجاب أساتذته والمشرفين عليه. لم يكن طفلا عاديا فقد كان يتحاشى اللهو مع أقرانه ويحلو له دائما أن يخلو بنفسه.. لكن طبعه هذا لم يولد بمحض الصدفة فقد غذت فيه والدته الشعور بالاعتزاز والفخر لأنه من بلد غير هذه البلاد ومن أهل غير هؤلاء الناس. ومن طينة غير طينتهم، كانت تقنعه دوما بأنه أفضل منهم والأقوى بينهم. ولم تكن تسمح له مطلقا بمخالطة الأطفال في الشارع أو اللهو معهم.. هكذا شب غريبا عن بيئيته، غريبا عن أهلها.

لم يفهم يوسف شيئا مما كانت تمليه عليه والدته فقد عجز عن الترفع عن المجتمع الذي يعيش فيه، ونمت فيه طبعا حادا، ولم تحسب الحساب لما يمكن أن تخلفه هذه الأحاسيس المشبعة بالاعتزاز والغرور في شخصيته فيجد نفسه وحيدا غريبا لا طاقة له على التواصل، لا يعرف له أرضا ولا وطنا.

كان يشعر دوما بالوحدة متجاذبا بين بيئة فرضت عليه فرضا لأنه لا يعرف بيئة غيرها، وإملاءات تشبعها وهو لا يزال طفلا.

كان يلمح والدته كيف تكد ليل نهار من أجل تحقيق هدف نبيل وهبت نفسها له، فهي تسعى إليه دوما وتسهر من اجله وتنفق عليه من وقتها وجهدها الشيء الكثير. ولا تزال تكد وتفنى من أجله.

لقد تعود أن يجلس إلى جانبها تلقنه مبادئ خصوصياته الحضارية « هؤلاء الناس من حولك ليسوا إلا هوام، إنهم مثال ناطق للهمجية والتخلف، لست منهم، ستتميز عنهم، ستتفوق عليهم، دماؤك ليست دماءهم، هويتك ليست هويتهم»

كان يمقت أشد المقت هذه الفجوة التي أبعدته عن أقرانه.. هذا الإسم الذي جعله موضع تساءل من طرف أساتذته. وكم ود لو يسافر إلى فرنسا فلا يتميز غيضا أن يعري حقيقته مثلما يتميز الآن.

أقبل الخريف وعاد يوسف إلى الدراسة مثابرا مجدا، لكن والدته ارتأت أن تسجل ابنة أختها في مدرسة خاصة. هكذا ازدادت بعدا عن ابن خالتها فلا تكاد تراه إلا ليلا، وتتحاشى الجلوس معه.. كانت كلما عجزت عن انجاز تمرين ما لجأت إلى خالتها فتساعدها تارة وتطردها تارة أخرى، فشبت هي الأخرى كئيبة وحيدة تود لو تقضي اليوم كله في اللهو خارج المنزل.

تعود الطفلان أن يستيقظا مبكرا للذهاب إلى المدرسة، فكانا يتناولان فطورهما وينطلق كل واحد منهما إلى مدرسته لا يلوي على شيء.

وفي أحد أيام الشتاء القارسة عاد يوسف من مدرسته فسمع لغطا في الداخل لم يتبينه، ثم قفز فجأة إذ عرف مصدر هذا الصوت « إنها هي.. هي سارة» استطار من شدة الفرح، وقفز إليها، أجلسته والدتها إلى جانبها تؤنبه لأنه لم يزرها في الصيف، ووردة ترقبهما في حذر.

ثم رفعت السيدة أمينة وجهها قليلا، ولمحت وردة تنظر إليها واجمة. ابتسمت وهي تدعوها إليها، لكن وردة لم تأبه لها، صعدت إلى غرفتها مسرعة.

لقد ضفرت على سبب وجيه يمكن أن يساعدها على فهم سلوك يوسف، يمكن أن يساعدها على فهم طبعه، لماذا يحتقرها؟ لماذا يتعمد إهانتها؟ فهي لا تشبهه، إنه شخص محضوض، يملك عائلة، يملك أصدقاء، أما هي فلا تملك من أمرها شيئا.

كانت تلك هي اللحظة الأولى التي عرفت قيمتها الحقيقية في هذا المنزل، عرفت أن عليها ألا تطلب شيئا، فقط تأخذ ما يوهب لها عن طيب خاطر.

وعندما همت السيدة أمينة بمغادرة المنزل التفتت إلى رقية وهمست لها « انظري إليهما، لكم يثير في هذا الانسجام الشوق والحنان!» التفتت رقية إلى ابنها فوجدته منغمسا في اللعب مع سارة كأجمل صديقين.

مرت الأيام ثم الشهور ويوسف منشغل بدراسته لا يهتم إلا لها، وقد لمس فيه أساتذته ذكاء غير عادي فكانوا يتنبئون له بمستقبل زاهر، وعندما قدم الصيف أخذ يوسف ينتظر مقدم السيدة أمينة بأحر من الجمر.. هذه المرأة التي جمعتها الصدفة بوالدته فتوطدت علاقتها بها، إنه يجد شوقا لمحادثتها، إنه يود الاختلاء بها لتحدثه عن تجربتها الفريدة ومحنتها، لتحكي له عن العالم الأخر، أضواء باريس وفتنة باريس. لكنه أصيب بخيبة أمل كبيرة فقد انصرم الصيف من غير أن يلمح لها أثرا.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “أشباح الماضي..”

  1. سعدت عزيزتي بمرورك الكريم إلى مدونتي؛ وفي نفس الوقت وجدتني أنطلق إلى بوابات مدونتك فوجدتها مشرعة تنضح أدبا؛

    يشرفني إضافة مدونتك إلى مدوناتي المفضلة؛

    لنا لقاءات قادمة بإذن الله؛

    دمت ودام ظلك؛

  2. إنه لشرف كبير لي أن تجد مدونتي مكانا في مدوناتك المفضلة..

    دمت بخير



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر