امي ... ذلك اللغز الرهيب الذي يحمل في ثناياه كل اسرار البقاء ..
امي ... ذلك السر العجيب الذي يكمن فيه كل معاني الجمال و النقاء ..
امي ... ذلك اللحن الشجي الذي يتمايل له الجسد و الفؤاد ..
امي ... ذلك القمر الاسر الذي يبدد ظلمة الكون و الفضاء ..
امي ... ذلك اللون البديع الذي أذهل عقول الحكماء ..


<?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" /> 

 

أشباح الماضي..

كتبهاهمسة ، في 7 يونيو 2008 الساعة: 14:51 م

تعود عادل على الجلوس بالقرب من دكان أبيه يسامر أصدقائه ويلاحق بعينيه طلوع الفتيات ونزولهن، وتعود على رؤية وردة وهي تمر إلى جانبه تتهادى في طلعتها البهية فلم يتمالك نفسه إعجابا بها. وأخذ يلاحقها في طلوعها وهبوطها، لكن وردة أبت الاستسلام لنزواته المقيتة وصدته عن طريقها بوسائل شتى إلى أن طلب يدها بعدما استعصى عليه الحصول عليها مثلما حصل على غيرها من فتيات السوء.

لكن وردة التي تجرعت الويلات من قبل ابن خالتها لم تقو على رفض طلبه وأخذت أحلام الصبا الوديعة تدغدغها، وأخذت تحلم بنفسها سيدة بيت أنيقة تخدم نفسها ولا تتلقى السباب والشتائم صباح مساء، لكنها لا تلبث أن تستيقظ فزعة، كأن يدا خفية امتدت إليها وهزتها في عنف لتصطدم بواقع مرير حاولت أن تتحاشاه دوما.

إن عادل الذي تستمسك به لينقدها من الويلات التي تتعرض لها من قبل يوسف ليس إلا شابا طائشا برهن لها من خلال مواقفه الصبيانية بأنه غير أهل لتحمل مسؤولية البيت الجسيمة، وظلت مستمسكة به رغم قناعاتها بأنه لا يمثل لها مطمحا أو غاية. فقد عودت نفسها أن تتقبل واقعها المرير بعين الرضا.

لقد كانت رغبتها القوية في الفرار من واقع الهزيمة والانكسار أمام جبروت يوسف وطغيانه أقوى من قناعات تريد لها أن تبتعد عن عادل، تريد ان تصدها عن شخص لم تعبأ به يوما.

هكذا زفت إليه وعقلها رافض له، وقلبها نافر منه، وانتقلت إلى منزل جديد. وتنسمت لأول وهلة أريج الحرية.

كانت الأشهر الأولى من الزفاف رائعة بكل المقاييس فقد كف عادل عن مسامرة أصدقائه في الشوارع، كف عن ملاحقة الفتيات وأبدى اهتمامه الواسع بها وإعجابه الشديد بها. وقد سعدت وردة بهذا الإحساس الجميل الذي يكنه زوجها لها واعتقدت أن أيام الحزن والبؤس قد ولت بلا رجعة. وأنها ستعيش أجمل الأيام مع زوجها الذي يكن لها كل الحب والاحترام، كان أول رهان كسبته عندما ضفرت بحب حمويها.

وردة اليتيمة الصغيرة لا تدرك حقيقة الشعور الذي يخالجها عندما يحيط بها حمويها، ولا تدري لماذا تجد سعادة تعتريها لتواجدهما معها. لا تدري لماذا يزداد حبها لهما كلما نظرت على اعنيهما.. ألانها افتقدت الحب؟ الإحساس بالأمان الذي تشعر به كل فتاة تحيط بها عائلتها.

لقد أخذت وردة تعامل حمويها كما لو كانا  أبوين لها، وأخذت تناديهما بأبي وأمي، وأخذت تفضي لهما بأسرارها، وشعرت بسعادة حقيقية فقد وجدت عائلتها التي افتقدتها. لكن إحساسها بالسعادة لم يدم طويلا، وحلمها الجميل الوديع لم يدم إلا أياما وأسابيع وشهورا. إذ ما لبثت أن استيقظت مذعورة على إثر صرخة مرعبة انبعثت من ركن ما من أركان بيتها الجميل. فهرولت إلى عين المكان ووجدت زوجها قد القي أرضا، وهو ينطق بكلام غريب لم تفهم منه شيئا، وأخذت تسأل حماتها عن حالته الغريبة هذه لكنها لم تقل شيئا واكتفت بان حملته إلى الحمام والتفتت إلى كنتها المذعورة ثم خاطبتها في عنف:

« افعلي شيئا، لا تنظري إلى هكذا!»

أخذت أسنان وردة تصطك خوفا وهي تلمح زوجها يصد زوجته عنه في عنف، ينطق بكلام بذيء وينظر إليها بعينين محمرتين. بدا أشبه بوحش ضار، فخافت الاقتراب منه وأسرعت إلى غرفتها، أوصدت الباب بإحكام ثم ألقت بنفسها على السرير وأطلقت لدموعها العنان. وعندما طرق الباب لم تقو على الحراك. لم تجرأ على فتح الباب خوفا من طلعة زوجها المرعبة. ثم ما لبثت أن فتحته لتجد حماتها وهي ترشقها بنظرات قاتلة كأنها تلومها لأنها لم تساعدها في تنظيف زوجها، ثم ألقت ابنها على السرير أشبه بجثة هامدة.

لم تنم وردة تلك الليلة. لقد أنهكها التفكير حول مصير ابنها المجهول هذا الذي تنتظره، وشعرت لأول وهلة بالخوف يعاودها مذ انتقلت إلى منزل زوجها. وشعرت في تلك اللحظة فقط بزيف المشاعر التي يكنها لها زوجها، وأخذت تشك في حب حمويها لها، وتشك في حقيقة السعادة التي  داعبتها لحظات قصيرة.

وعند الصباح استفاق عادل فوجد زوجته قابعة في مكانها يدها لا تفاق خدها.

أطلق ضحكات عالية صكت أذنيها:

« لماذا تغتمين هكذا؟!»

لم تنبس ببنت شفة، وغادرت الفرحة قلبها المنهك. وغادرت الغرفة فابتدرتها حماتها صارخة في لهجة لم تعتد أن تتلقى مثلها في هذا المنزل الذي اعتقدت للحظات قليلة أنه منزلها وأنها سيدة له « لماذا لم تساعديني البارحة في تنظيف زوجك؟!» التفتت إليها والحيرة تصبغ وجهها الشاحب:

« لم أكن أعلم بالأمر، لو أخبرتني من قبل لفعلت!»

« عليك أن تعتادي على الأمر، زوجك هذا الذي تحبين لا يكف عن شرب الخمر، اعتقدنا أنك وفقت في انتشاله من مستنقع المحرمات فإذا به يعود إليها مجددا»

لم تطق وردة سماع هذه الكلمات اللاذعة واقتربت من حماتها تسألها في رجاء عن صحة هذه الأخبار. ابتسمت حماتها وهي تجيب:

« لقد حذرتك، أخبرتك بأنه لا يصلح لك، لا يصلح ليكون زوجا لكي، أبا لأبنائك لكنك أصررت وهذه هي النتيجة، يجب أن تتحمليها الآن»

اتجهت صوب المطبخ تعد الطعام وعيناها مغرورقتان بالدمع.

لقد حاولت الوقوف إلى جانب زوجها في محنته، وحاولت انتشاله من مستنقع الرذيلة الذي ينغمس فيه حتى الأعماق لكن عبثا.. فأوضاعه تزداد سوءا اليوم بعد الأخر إلى أن تعودت على عودته سكران أخر الليل يكيل لها اللكمات وتحملت في صبر مجونه واستهتاره.

تعودت أن تقضي معظم نهارها في طهي الطعام وتنظيف المنزل، ثم تركن أخر النهار في غرفتها تأوي إلى فراشها، ولا يعود عادل إلا بعد منتصف الليل فيوقظها صوته المزمجر وتخدمه في صبر وأناة وعندما لا تروق له خدماتها ينهال عليها ركلا وشتما، فتصرخ تارة وتلوذ بالصمت تارة أخرى، ويتدخل حمويها لإنقاذها من براثنه المتوحشة طورا ويغضان الطرف عنها طورا أخر.

في إحدى الأمسيات شرعت ترتب صوانها فعثرت على صورة فوتوغرافية خبأها زوجها بإحكام فطفقت تتأملها في حسرة وألم، ثم ألقت بنفسها على السرير وشرعت تجهش في البكاء.

كانت لحظات مريرة فقد استبدت بها الهواجس وتملكها ضعف لعين واسودت الدنيا في عينيها وضاقت عليها السبل. أطفأت النور وانزوت في ركن بعيد وشرعت تسبح في بحار الهواجس.

ثم عند الثالثة تناهى إلى أسماعها صرير الباب، واقتحم عادل الغرفة وهو يترنح في مشيته، فحملته وأخذت تنظر إليه وهي لا تملك من أمرها شيئا.. أتردعه عن تصرفه الشائن؟؟ أتلومه لأنه اختار أخرى وطعنها في صميم كبريائها؟؟ لكنه لن يصغي إليها، لن يأبه لمعاناته، وسيستمر في مجونه واستهتاره، ولزمت الصمت، واكتفت بدموعها تعبر عن كل ما يجيش في صدرها من خوف وألم.

وعند الصباح شعرت أنها في حاجة إلى شخص تفضي إليه أسرارها فقد ضاقت درعا بحدة المشاكل التي تتعرض لها صباح مساء ولم تعد تقو على تحمل المزيد، فالتجأت إلى حماتها وأخذت تشتكي لها قسوة ابنها وهمجيته، وترجوها أن تساعدها في انتشاله من هذا المنزلق الخطير الذي يهوي إليه، لكن حماتها لزمت الصمت، وأخذت تبادل زوجها نظرات الحسرة والأسى، ووردة تتوسطهما تنظر إليها تارة وتنظر إليه تارة أخرى. ثم مالت غليها حماتها، شرعت تريث على كتفها، تجفف دمعها المنهمر وكلما حاولت ثنيها عن عزمها تنحت القهقرى ولزمت الصمت فشكت وردة في الأمر وأخذت تلح عليها لتطلعها على سر ارتباكها. وما هي إلا لحظات قليلة حتى وقفت على ما هو أفضع إذ طرد زوجها من عمله بسبب تماطله واستهتاره.

تسمرت وردة في مكانها، طفقت تحملق فيها بعينين شاردتين، ثم قال لها:

« متى حدث هذا؟ أخبريني بالله عليك كيف حدث هذا؟؟»

لم تحر الحماة جوابا، أما وردة فقد أغمي عليها فهلع حمويها واتصلا بالإسعاف فنقلت توا إلى قسم الإنعاش فاقدة للوعي قد ازرورقت شفتيها واصفر لونها وشحب وجهها.

التفت الطبيب إلي حمويها:

« ابنتكما تعاني من أزمة نفسية حادة، هي في حاجة إلى عطفكما وحنانكما، الإهمال والعزلة هما الذين أفضيا بها إلى هذا الحال المزري»

عمل الحموين بنصيحة الطبيب وحملا وردة إلى طبيب نفساني.

علم عادل بمصاب زوجته فانفطر قلبه حزنا عليها، وأسرع إليها فوجدها ملقاة في احد الأسرة لا تبدي حراكا فأخذ الحزن منه مأخذا عظيما، اكتفت بالنظر إليه.

بعد أيام قليلة استردت وعيها فغادرت المستشفى وعادت إلى منزل زوجها. استطار زوجها فرحا بعودتها. أما والدته فقد أحاطاها بالحب والحنان يعدان الطعام لها ويتقربان منها، يضفيان عليها البشر والسرور. لكن وردة لم تسعد بكل ما فعلاه من اجلها، كيف تسعد لضحكات زائفة وابتسامات مزوقة وصور الضرب والشتم والإهانة لا تزال ماثلة أمام عينيها.

بعد شهر من الكذب والخداع فوجئت بزوجها لا يكف عن الحديث عن رحلته المرتقبة إلى اسبانيا إذ وجد تأشيرة وأوراقا للإقامة هناك.

لم تسعد وردة لهذا الخبر ولم تحزن لأجله، فوجود زوجها وعدمه سواء..

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “أشباح الماضي..”

  1. السلا عليكم

    لقد حاولت الوقوف إلى جانب زوجها في محنته، وحاولت انتشاله من مستنقع الرذيلة الذي ينغمس فيه حتى الأعماق لكن عبثا.. فأوضاعه تزداد سوءا اليوم بعد الأخر إلى أن تعودت على عودته سكران أخر الليل يكيل لها اللكمات وتحملت في صبر مجونه واستهتاره.

    جميل ان الزوجه تقف بجانب زوجها ولكن ان كان هذا الزوج راضى عما هوه عليه فهذه نكبه ونكسه

    وجميل انكة كتبتى هذه القصه الجميله

    كى نستفيد مما نقرائه ولأأ لا وجود لنا ولا معنا لكتباتنا



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر