ستعود إلي مثلما تعود الشمس إلى موطنها كل صباح..
كتبهاهمسة ، في 9 يونيو 2008 الساعة: 18:01 م
لم تصمت..
.jpg)
بدت وهي تنتقل من غرفة إلى أخرى.. من زاوية إلى أخرى أشبه بعابر ضل الطريق.. بغريق يبحث عن قشة يعلق عليها سبب نجاته. لقد كشفت ملامحها المنحلة، وجهها المرتبك، جسمها المضطرب، نظراتها الزائغة، لقد كشفت عن حقيقة ما يعتمل في داخلها من خوف وغيظ وانفعال « لن أغفر له.. عندما يعود سأجعل منه عبرة لمن يعتبر.. سألقنه درسا لن ينساه أبدا ».
لكنه لم يعد..
أطبق ليل قاتم على فضاء قاتم.. تكاثفت ظلماته وركب بعضها بعضا.. احتجبت الشمس وولى القمر ممتعضا.. أقبلت السحب مزمجرة وانقطعت الأسباب بين السماء والأرض.. سكنت الحركات وتوقف الزمن حائرا.
في هذا الفضاء القاتم الكئيب جلست لنفسها، انكمشت على نفسها، تساءل هذا القدر الذي جعل منها أضحوكة بين النساء.. أما تنهزم الظلمات؟ أما يسفر الصبح؟ أما تشرق الأرض؟ أما تعانق السماء قلبي العليل؟
فتحت عينيها، انتابها إحساس غريب وهي تصغي في اهتمام إلى وقع خطوات زوجها، أسرعت إليه.
« هل وجدت عمر؟؟»
« لا..»
أجابها من غير أن يلتفت إليها. ثم انطلق إلى غرفة النوم فاستوقفه صوتها لاهثا:
« هل بحثت عنه؟»
« عمر سافر إلى الدار البيضاء!»
راحت تنظر إليه في شيء من الاضطراب، ارتمت على الأرض وانطلق لسانها معلنا عن بداية.. بداية هم جديد.
« لماذا يفعل بي هذا؟ كنت أعرف، عمر ليس سويا، هو يخفي عني شيئا ما، أنا أعرف، لماذا لا ينتظر ريثما ينهي تعليمه ثم يذهب بعدها إلى الجحيم»
« هو يعتقد بأنه أصبح راشدا.. بان بإمكانه أن يعتمد على نفسه.. إنه مراهق »
جاء صوت زوجها مدويا كأنما يحاول أن يخرجها من حيرتها ويضع أعينها على الحقائق كما هي لكنها لا تفهم ماذا تقصد بمراهق.. إنها تستوعب شيئا واحدا: ابنها لا يزال صغيرا وعليه أن يعود إلى البيت ويكف عن تصرفاته الهوجاء.
« ما الذي يدعوه إلى الرحيل؟ ستبحث عنه، ستأتي به من باطن الأرض، ستجره من أم رأسه، سيعود إلى البيت، سيعود إلى رشده»
بدا هادئا وهو يواصل سيره.
« سيجد عملا في مكان ما، لا خوف من هذه الناحية»
قاطعته وهي تصرخ:
« لماذا تتظاهر بالغباء؟ ما الذي يدعوه إلى العمل؟ ما الذي يحمله على البقاء في تلك المدينة المخيفة، لن اسمح له ب\ان ينفصل عن الدراسة، أفهمت؟!»
زمت شفتيها وهي تنطق بالكلمة الأخيرة..
« إذا كانت هذه هي رغبته ما علينا إلا أن نذعن لها»
قالها في هدوء ثم ارتمى على السرير وأغمض عينيه فلم تجد بدا من أن تغلق فمها مرغمة.
وقضت ليلتها تلك في اضطراب شديد..
ثم.. ثم هلت تباشير الصباح الأولى، وغادرت فراشها، وأسرعت إلى الحديقة ومددت ساقيها المنهكتين.
لا تدري لم شعرت بهدوء غريب وهي تتطلع إلى السماء.. وهي ترقب الشمس تصعد شيئا فشيئا إلى العلاء، تطل عليها بضياء يأسر العين وشموخ يبعث على الرهبة.. لا تدري لم داخلها هذا الانفراج العجيب.. لم داعب هذا الأمل الغريب قلبها الغريب.. لم انزاحت كل هذه الهموم الثقيلة عن كاهلها المنهك.. وشرعت تصغي إليها كأنما تهمس لها بكلام.. كأنما استحالت إلى شخص يسمع ويبصر.. وهذه الظلمات انقشعت، وهذه الشمس قد اتخذت مكانها تلقي إليها الأمر، تبعث فيها النشاط، تطمئنها بأن كل شيء على ما يرام.. بأن عمر سيعود إليها لأنه لن يجد له قلبا يضيء حياته مثل قلبها.. يغمره بالنور مثل قلبها.. سيعود إليها تماما مثلما تعود الشمس إلى موطنها كل صباح.
كانت تلك اللحظات وحدها كافية لتعيد الهدوء إلى نفسها فأقفلت راجعة إلى غرفتها وتمددت على سريرها ثم استسلمت للنوم.
ثم تناول الأب طعامه على عجل وشد الرحال إلى الدار البيضاء باحثا عن ابنه، فعثر عليه وهو منغمس في العمل في إحدى المطاعم الشعبية، دنا منه في رفق وأقنعه بالعودة إلى البيت، أبدى بعض التعنت في البداية لكنه لم يلبث أن انصاع إليه ليس اقتناعا ولكن خوفا منه.
وعندما لمحته والدته ماثلا نصب عينيها استولى عليها اضطراب عنيف ولم تتمالك عن البكاء. دنت منه في رفق وضمته إليها في حنان وشرعت تتلمس أطرافه وتتفقد ملابسه ثم أجلسته إلى جانبها فاطرق برأسه خوفا وخجلا. لم تحاول أن تصرخ في وجهه أو تلمه لأنه غادر البيت بهذا الشكل المستفز المهين.. لأنه غادر الدراسة وأقدم على مثل هذا التصرف المشين. لم تلمه لأنها تدرك بأن كلماتها مهما بدت مؤثرة فلن تعيده إلى رشده.
وعند الصباح فتحت عينيها باسمة. لقد غادرها الحزن وعاودها نشاطها المعهود. ثم استيقظ عمر، بدا شاردا مضطربا وهو ينتقل من غرفة إلى أخرى.. من زاوية إلى أخرى.. بدا كما لو أنه يبحث عن شيء ما.
ـ لماذا لا تذهب إلى مدرستك؟
سألته في حزم وقد أدركت سبب اضطرابه.
ـ عن أي مدرسة تتحدثين؟
ـ ماذا دهاك هل نسيت بأنك تدرس هذا الصباح؟
ـ لن أذهب إلى أي مدرسة بعد الآن..
جاءت جملته حازمة حاسمة كأنها قرار لا يقبل الاعتراض فانفجرت على إثرها غاضبة. لقد أدركت بان اللين لن يفيدها في شيء في مثل هذه المواقف الحساسة.. لكنه لم يصغي إليها، لم يحرك فيه صوتها اللاذع ونظراتها الملتهبة وجسمها المضطرب، لم تحرك فيه قيد أنملة من خوف أو ارتباك، بدا حازما عازما على إتمام هذه اللعبة إلى نهايتها.
ـ لن اذهب إلى أي مدرسة.. سأعود إلى العمل في ذلك المطعم .
ـ وبما سيفيدك العمل في ذلك المطعم الحقير؟
ـ هو ليس حقيرا.. إنه يذر على صاحبه بالملايين.
وانفلتت من شفتيها ابتسامة ساخرة وهي تصرخ في وجهه:
ـ وأنت بما يذر عليك بالسهر والتعب مقابل دراهم وملاليم.. لما لا تكمل دراستك وتحصل على الشهادة وبعدها اذهب إلى الجحيم؟؟
تعالت صرخاته وهو يصرخ:
ـ وبما ستفيدني الشهادة.. ألم يحصل محمد عليها بما أفادته ألا يمضي يومه ضائعا متسكعا!!
ـ هل تنوي أن تمضي عمرك كله في العمل في ذلك المطعم.. ذلك العمل ليس إلا مضيعة للوقت .. عندما تكبر ستحتاج إلى عمل أخر.. عمل يكفيك الذل والهوان !!
ـ تلك ليست إلا البداية.. الدار البيضاء مليئة بالمصانع.. حتما سأجد عملا في مكان أخر.
لقد بدا وهو يدلي بحججه مقتنعا بفكرته أشد ما يكون الاقتناع. لقد خطط ودبر إذن ولم تشعر إلا غضبا هستيريا يجتاحها أمام هذا التدبير الجديد الغير المنتظر. ثم خطا مسرعا نحو المطبخ فأمسكته في قوة وصفعته في حركة تلقائية ومباغتة. أمسك عن الصراخ وشرع يرسل إليها نظرات تحمل في ثناياها كل معاني الخوف والاستغراب والارتباك. تراجع خطوات إلى الوراء خائفا مرتبكا ثم قفز إلى الباب وغادر المنزل.
استردت أنفاسها المتلاحقة واستعادت بعض هدوءها.. إنه تدبير جديد إذن.. عمر ينوي أن يترك الدراسة وينتقل من عمل إلى أخر.. من مأساة إلى أخرى.. لكنها لن تسمح بذلك، لن تسمح له بأن يواجه المصير ويتابع السير الشاق المرير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























سبتمبر 10th, 2008 at 10 سبتمبر 2008 7:31 ص
مدونة رائعة
ومواضييع شيقة
تستحق القراءة
وآراء قوية
أسال الله لك التوفيق والفلاح والتقدم
وهذه دعوة مني لك
للدخول الى مدونتي
http://yasmein2008.maktoobblog.com/1288450/اليوم_لا_تصمت__../
دانية الشهد
وكل عام وأنت بالف خير
ورمضان مبارك
أغسطس 17th, 2009 at 17 أغسطس 2009 4:08 م
والله يا أماه لا أكره الدراسة ولكن هالني ما رأيت من موت ذي شواهد يسبح في قعر البحر.. ومن تصكع متعلم يجوب الزقاق والشوارع .. لقد أدخلت الرعب في قلبي حقول الإسبان تستغل إخوتي كالأقنان..لقد أحرق كبدي ابن السيدحماد وابن جارنا عمار ضاعت أعمارهم بين الكراس والأقلام..
ها أنا يا أمي إلى الدراسة سأعود ..سأعود إلى معلمي حسين ذي الشنب الطويل والعصا الغليظ..سأعود إلى السيدة مريم صاحبة الأظافر الحمراء الطويلة والسيقان العارية النحيلة..سأعود إلى سجني يا أمي فانعمي واهنئي .. فمرحبا بالعودة إلى السجن ما دام فيه رضاك عني.