امي ... ذلك اللغز الرهيب الذي يحمل في ثناياه كل اسرار البقاء ..
امي ... ذلك السر العجيب الذي يكمن فيه كل معاني الجمال و النقاء ..
امي ... ذلك اللحن الشجي الذي يتمايل له الجسد و الفؤاد ..
امي ... ذلك القمر الاسر الذي يبدد ظلمة الكون و الفضاء ..
امي ... ذلك اللون البديع الذي أذهل عقول الحكماء ..


<?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" /> 

 

البيت الجديد

كتبهاهمسة ، في 9 يونيو 2008 الساعة: 18:25 م

دقت الساعة الثانية عشر وانشغلت عائشة بإعداد مائدة الغذاء، بدت وهي منغمسة في أشغالها مرحة. لقد غادرها الحزن وغاب عنها الضيم واستعاد وجهها الأسمر الهادئ تعبيره المرح ربما لان البيت تجاوز محنته الدقيقة وانزاحت عنه مآسيه الثقيلة، أو ربما لان محمد تماثل للشفاء أخيرا.

هكذا بدا البيت مرحا منطلقا بعد رحلة دامت سبع سنوات مذ ألقى الأب بابنته الرقيقة الجميلة بين براثن ذلك الوحش.. مذ عاد محمد من الصحراء خائفا ضائعا.. مريضا منكسرا..

 هكذا اختفت الأعين الدامعة والقلوب الواجفة والأنظار الزائغة.. هكذا علت الأصوات ضحكا واستبشارا.. سعادة وهناء.

وفرغت عائشة من إعداد المائدة وأقبل الأطفال ضاحكين متصايحين، فالتفوا حول والدتهم فرقص قلبها فرحا وتمايل فؤادها طربا، وراحت تتحدث في شوق ولهفة. لقد تدفقت الكلمات من فمها مثل نسمات الهواء الندية فلم تمسكها.

 

 

 

 

 

 

 


ثم فتح الأب فمه المغلق وراح يتحدث عن نيته اقتناء بيت جديد. هكذا قالها من غير مقدمات. لقد اتفق إذن مع مالك المنزل على كل التفاصيل وأعطاه العربون وهاهو ينوي الانتقال للعيش في منزل جديد. ولم يداخل الأم أي شعور بالاستياء أو التذمر أمام هذا المعطى الجديد فقد تعودت على قراراته الانفرادية وأساليبه المتسلطة. والتفتت حولها وقد اختلج في قلبها إحساس غريب، وطفقت تتأمل معالم بيتها.. هذا البيت الذي اختزل سنوات عمرها الجميلة والتعيسة.. هذا البيت الذي شهد على تضحياتها الجسام.. هذا البيت هو عصارة آمالها وآلامها.. أحلامها وأوهامها.. إنه كل عالمها.

ثم انتبهت فإذا الأطفال يتصايحون في مرح وقد تهللت أساريرهم وارتسمت تلك السعادة الغامرة على وجوههم البريئة، وصاح محمد:

ـ إنه منزل جميل.. ذلك الحي لا تؤمه إلا المنازل الجميلة.

قالها في حماس وهو يلوح بيديه ويفرقش في الكلام. لقد انبسطت ملامح وجهه وأبرقت عيناه ولم يكتف بجملته تلك فقد استرسل في مدح البيت. بدا وهو يقر بجماله وضرورة الانتقال للعيش فيه مقتنعا بفكرته متحمسا لها.. لكن بالرغم من أنه لم يعاينه قط.

واحتدم النقاش بين الإخوة حول هذا المعطى الجديد، كل يدلي بدلوه، ثم انفض الجمع.

و.. وانصرفت الأم إلى غرفتها. لقد أصبحت وحدها الآن، واستشعرت بعض الهدوء، واستسلمت للتفكير فيما ينتظرها من أيام. لقد تناست في هذه اللحظة كل شيء، وانشغل عقلها بهذا المعطى الجديد.. إنه بيت جديد ودماء جديدة، وداخلها إحساس غريب فيه الكثير من الارتياح لكنها لم تنس زينب، لم تتغلب على القلق.. هذا الرفيق المزعج الذي كتب لها أن تلازمه أو يلازمها مدى الحياة.

***

وفي اليوم التالي انتقلت إلى بيتها الجديد، وعندما وقعت عينها على واجهته الملساء تهلل وجهها ووجدت نفسها تجد السير إليه رغما عنها.. إنها تنبئ عن جمال ما بداخله، باب رائع وجميل، وعندما فتحته رقص قلبها فرحا، وفتحت النوافذ على مصراعيها وتركت لنفسها العنان تتنسم عبير الحرية والإنعتاق.

إنه منزل جميل بكل المقاييس، مكون من طابقين ويحتوي على كبير من الغرف وبهو واسع ومطبخ رائع وفناء رحب. وشرعت تتجول بين أرجائه كما لو أنها في حلم، وابتسمت وهي تسأل ابنتها:

ـ كيف يبدو لك؟

ـ إنه جميل.

أجابتها في هدوء، بدت عكس والدتها تماما هادئة، كأن الأمر لا يعني لها شيئا. اتسعت ابتسامة الأم وهي تردد:

ـ حبذا لو يتغير كل شيء.. كل شيء.

ـ المشكل لا يزال قائما سواء غيرنا البيت أو لم نغيره.

ولم تلتفت إليها.. « هذه هي عائشة.. دائما تعقد الأمور، لماذا لا تتجاهل الواقع وتطلق لخيالها العنان يستشرف الغد ويعانق المستقبل». وجلست في إحدى جنباته:

ـ هنا سأضع الأرائك وهذه سأجعل منها غرفة نوم رائعة، وهذه غرفة محمد وهذه.. وهذه..

بدت وهي تنتقل من غرفة إلى أخرى أشبه بمهندس ديكور يقرر التأثيث لبيت فخم، أو أشبه بصاحب مقاولة يقرر ماذا يفعل لمشاريع المستقبل.

وتناست ما طوته الأيام السابقة من متاعب وتركت لخيالها العنان يؤلف ما شاء له أن يؤلف، ويخترع ما شاء له أن يخترع.. إنها النهاية، نهاية الأحزان، لن تشغل بالها بأي شيء بعد البال.. لن تهتم إلا بعالمها الجديد وبيتها الجديد.

***

خرج الأطفال من البيت، وانطلقوا إلى الشاحنة الرابضة هناك حذاء الطريق المشحونة بالآثات، وتبعتهم الأم، لم تسرع إلى الشاحنة مثلما فعل أبناؤها، لقد تريثت قليلا ريثما تلقي نظرة سريعة على بيتها القديم، نظرة عميقة يكمن فيها الخوف مثلما يكمن فيها الرجاء.. تعبر عن الابتهاج مثلما ترمز إلى الحنين.


وانطلقت الشاحنة تمخر عباب الطريق وتبتعد شيئا فشيئا عن هذا البيت الذي أفنت فيه سنين عمرها ومنحته الكثير من عطفها وعطاءها. وراحت تتملى في وجوه أبنائها، وتتابع حديثهم في لهفة لا تخطئها العين.. محمد بعينيه البراقتين وصوته المتحمس، حسن بقامته النحيلة ويديه اللتين لا تكفان عن الحركة، وعائشة تتوسطهما تنظر إلى هذا بعين والأخر بعين أخرى. ولم تحاول أن تشاركهما الحديث فقد استسلمت كليا إلى هذا الإحساس الرائع من المتعة، ثم مر طائف من الأفكار أمام عينيها.. تذكرت ما حدث لمحمد ومعاناته الطويلة مع المرض: « ياه كانت أيام مريرة لا أعادها الله علينا.. » وايقضت هذه الذكرى الأليمة حزنا عميقا في قلبها، وتغيرت ملامح وجهها فجأة.. لكنها سرعان ما استعادت حيويتها المعهودة وهي تطيل النظر إلى محمد وتلمحه يتحدث بملء فيه ولا يكف عن الضحك والحركة.. إنها لا تريد لأي شيء أن يعكر صفو هذه اللحظات الممتعة.

ثم أشرفت الشاحنة على البيت الجديد وانشغل الإخوة بنقل الأثاث وترتيبه في أماكن معينة ووالدتهم تشير إليهم بما يجب فعله وما لا يجب فعله. ثم انصرفت إلى المطبخ واستغرقت في إعداد الشاي المنعنع.. إنه الشراب السائغ المناسب لهذه اللحظة، وما إن فرغت من إعداده حتى نادت على أبناءها كل باسمه فاقبلوا إليها فرحين فكهين والتفوا حولها، وانشغلوا بحديث عشوائي لا يتناول شيئا ويتناول كل الأشياء.


ثم انطلقت إلى المطبخ مجددا وانشغلت بإعداد وجبة العشاء، لقد قررت أن تعد وجبة مميزة تناسب هذه الليلة في بهائها وسحرها فلم تجد ما هو أطيب ولا أشهى من الكسكس فأعدته بإتقان، ثم حملت طبقها الشهي تتهادى به بين أطراف بيتها الجديد كأنما تكشف لأبنائها عن سر جديد.. كأنما تمنيهم بعهد جديد، عهد لا أثر فيه للأنين.

ثم هرول أبناؤها إلى المائدة واختار كل واحد مكانا مناسبا له.. في هذه اللحظة فقط تذكرت زينب، التفتت حولها كأنما تبحث عنها، وداخلها انقباض شديد.. أين هي الآن؟ لماذا تصر على الابتعاد دائما؟ ترى أي بئر عميق هذا الذي تنغمس فيه حتى الأعماق؟ لماذا لا يشارك إخوته هذه الفرحة؟ لماذا يصر على هذا الصمت الكئيب؟ ولم تعثر على إجابة تشفي غليلها وتريح عقلها المتشتت. لم تحاول أن تعكر صفو تفكير أبنائها فعمدت على إقبار هذا الإحساس.

ثم أوت إلى فراشها ووجدت نفسها في حيرة.. إنها لا تجد شيئا أخر غير السعادة تشعر به .. لكن ما بال هذا القلب يتمزق ويتحسر، ما باله يخفق بعنف ويتألم. هل تشك في أنها وجدت أخيرا بعض العزاء في أن تقبل على الحياة في لهفة وتلذذ..

لقد أن لهذه العائلة أن تستعيد الثقة بنفسها فهاهي اللحظات الممتعة تتوالى تباعا مذ عرفت هذا الانتقال السريع، وهاهي نسمات الابتهاج الندية تنعش سماءها بحنان غريب، وهاهي سميرة تحصل على الباكلوريا. ولم تملك الأم إلا أن تطلق زغرودة رائعة أقبرتها عائشة بصرخة مدوية معللة بأن الحصول على الباكلوريا لا يحتمل كل هذه الفرحة. في نفس الفترة وأيام بعد ذلك حصلت سعاد على الابتدائية إيذانا بالانتقال إلى مرحلة جديدة، ثم بعدها بأيام قلائل حصل حسن على الإعدادية فاكتملت فرحة الأم وغادر وجهها السقم نهائيا.

لقد بدت العائلة في أحسن أحوالها منسجمة أواصر أفرادها، وأصبح شغل الأم الشاغل سميرة وحسن وسعاد. لن تهتم بزينب وعائشة ليس تنكرا لهما ولكن لأنها أدركت بأن الأوان قد آن لتمنح لأبنائها الصغار الدعم من اجل أن يحققوا المرام، فمن يدري ربما تجد لدى الصغار ما عجزت عن الحصول عليه لدى الكبار.« ثم أين كان الصغار مما سطرته الأيام الخالية من مآسي.. لا..  لا.. لا يجب أن آتي على ذكر المآسي.. لقد هجرتها فيما هجرت في ذلك البيت القديم. »

وشرعت سميرة تجمع الأغراض وتحزم الرزم استعدادا للرحيل إلى الجامعة، وشرع عمر يفكر في اختيار الشعبة المناسبة. نصحه والده باختيار شعبة علمية فهي التوجه السليم والمثمر، ونصحه محمد باختيار شعبة تقنية فنحن في عصر التكنولوجيا، إنها المستقبل. لكن عمر لا يجد في قلبه ميلا لا إلى الشعب العلمية ولا التقنية.، إنه مولع بشيء واحد فقط: الفلسفة. ورغم ذلك اختار شعبة علمية إرضاء لأبيه.

واكتملت أشراط السعادة عندما حصل محمد على الوظيفة. كان ذلك اليوم المشمس الجميل من أروع ما عايشته هذه الأم الرءوم. فقد فاز محمد بمباراة ولوج قسم الأساتذة السلك الثاني، وحصل على فرصته لأداء رسالة من أنبل الرسالات. وعندما وجد اسمه في لائحة الناجحين استطار من شدة الفرح وأسرع إلى والدته وارتمى بين ذراعيها وهو يصرخ:

ـ لقد نجحت في المباراة.. وجدت اسمي في لائحة الناجحين.

ولم تتمالك الأم عن الصراخ أيضا، أبرقت أساريرها وتلألأ الدمع في عينيها.. لله ما أروع السعادة عندما تتسلل إلى القلب بهدوء.

جزء من رواية..

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “البيت الجديد”

  1. مطلوب مشرفين

    بسم الله الرحمان الرحيم

    الصلات و السلام على اشرف المرسلين

    اخواني اخواتي في الحقيقة انا احب المعرفة و الاستفادة و لهدا قررت احياء منتدى خاص بطالبي العلم بكل الاختصاصات.

    راجي من الله العون و النجاح

    و بالمناسبة ارحب بكل الاعضاء و الزوار في منتديات مدرسة الحيحة ودالك من اجل الاستفادة و المتعة

    كما اطلب من كل من لديه الخبرة في الاشراف ان يعجل بطلبه الى مالك الموقع ” المدراع ”

    http://www.lhayhaa.com/vb



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر