امي ... ذلك اللغز الرهيب الذي يحمل في ثناياه كل اسرار البقاء ..
امي ... ذلك السر العجيب الذي يكمن فيه كل معاني الجمال و النقاء ..
امي ... ذلك اللحن الشجي الذي يتمايل له الجسد و الفؤاد ..
امي ... ذلك القمر الاسر الذي يبدد ظلمة الكون و الفضاء ..
امي ... ذلك اللون البديع الذي أذهل عقول الحكماء ..


<?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" /> 

 

ألم الغربة…

كتبهاهمسة ، في 10 يونيو 2008 الساعة: 14:15 م

رحل يوسف إلى فرنسا، رحل إلى بلده عله يسكت الأنين الموجع والحنين الغريب إلى بلد اعتقد سنوات أنها ستؤويه، واستقر هو ووالدته في منزل صغير. ولج كلية الطب وكله عزيمة وإصرار ورغبة أكيدة في تحقيق الذات، لم يكن يأبه للمباهج التي تحام حوله فقد كان هدفه من البداية ترسيخ مبدأ الاستقرار والوضوح مع الذات.

وظل يبحث عن نفسه. كان يقضي معظم وقته في الكلية دارسا باحثا ولا يعود إلا وقد أسدل الليل ستاره القاتم فيجد والدته قد أعدت الطعام وهيأت المكان فيدرس في هدوء. أما هي فتجلس إلى جانبه، تنظر إليه، تتأمل ابنها الذي وهبت له حياتها من غير أن تكل أو تمل. وعندما يتسلل النوم إلى عينيه ويداعب أجفانه تستسلم هي الأخرى إلى النوم راضية مطمئنة. وعند الصباح توقظه ليستأنف نشاطه المعهود.

مرت الأشهر الأولى في سلام.. مرت ويوسف سعيد بوحدته راض عنها، لم يفكر في تكوين صداقات أو تمتين علاقات، لأنه اعتاد على الوحدة والانعزال. لكن وحدته لم تدم طويلا فقد ظهر ثلة من الطلبة عكروا صفو وحدته فأخذ يعتاد على مجالستهم، وأخذ يعجب بآرائهم. وخص بإعجابه لورين زميلته في الدراسة. لقد أخرجته من حيرته وفتحت عينه على حقائق كثيرة، أفضى إليها بأسراره وكشف لها عن معاناته، ضحكت وهي تجيبه ساخرة من أوهامه:

« تحاكم والدتك التي شجعتك على الأخذ بتعاليم الحضارة، والدتك ليست وحدها المسئولة.. ثم ما الذي يدعوك إلى المحاكمة، إن كنت تريد أن تحاكم أحدا عليك نفسك، بدلا من محاكمة الماضي، لماذا لا تسبر أغوار الحياة، انظر إلى أسرار الجمال من حولك!»

أبدى هدوءا مثيلا وتمتم في صوت واثق:

« سأعتنق المسيحية!»

« هذا الدين الذي تتمزق نفسك حسرات عليه ليس إلا خرافة، هو قيد يذل أذهاننا، هو ستار قاتم يحجب عنا جمال الطبيعة وأسرار الجمال! إذا اعتنقت المسيحية لن تعثر على الحل، الحل أن تتحرر من أعباء الماضي، أن تعيش هذه اللحظة بجمالها، بروعتها، أن تطلق لنفسك العنان، أن تتحرر من القيود!»

لكن يوسف لم يكن ينقاد إليها في سهولة، كان يرفض في كثير من الأحايين أرائها حول الدين والحرية والجمال والفن. ثم لا يلبث أن ينحاز إليها مطأطأ الرأس بعدما يجد أفكاره هزيلة سخيفة إمام زخمها الفكري الزاخر، مما دفعه إلي البحث والتنقيب، وهكذا أخذت تخف الساعات التي يراجع فيها دروسه وأخذت تكثر زيارته لها.

وقد تصدت له والدته ذات يوم حين عاد إلى البيت متأخرا فجابهها بشكل سافر وصدها عنه، ثم صعد إلى غرفته فلحقته مسرعة واقتربت منه وأخذت تنظر إليه ذاهلة، ثم سألته في رقة متناهية:

« أين كنت بني؟ لقد قلقت عليك كثيرا»

« قضيت الليلة مع لورين»

« لا ينبغي أن تتأخر هكذا، أنسيت انك تدرس هذا الصباح»

« أعرف جيدا مواعيد دراستي، لست صغيرا لتلفتي انتباهي إلى أمور تافهة!»

« أمور تافهة، أنت تقول هذا! ماذا دهاك بني؟! لم تعد كما كنت!»

أومأ برأسه مجيبا:

« نعم لم اعد كما كنت، صرت اعرف جيدا مواطن الخلل في علاقتي بكي، في علاقتي بأناس تأثرت بهم وعندما حاولت أن أتبرأ منهم وقفت عاجزا لأني كنت صغيرا، ساذجا، لكني اليوم أعرف من أكون، أعرف من أكون!»

أخذت تنظر إليه ذاهلة ثم قالت:

« ما هذا الكلام بني؟ تريد أن تتبرأ مني، من والدتك التي أفنت جهدها خدمة لك!»

« أنا لا أريد أن أتبرأ منك لأني أعترف بأني أحبك، وأعترف باني لا املك في هذا الوجود شخصا غيرك، لكني أريد أن أتبرأ من ثقافتك التي مسختني، لماذا فعلت بي ذلك يا أمي؟ لماذا؟!»

ازدادت والدته ذهولا وسألته باكية:

« ماذا فعلت بالله عليك؟!»

« جعلتني أرث عن أبي اسمه، جلدته وأرث عنك طيبتك، جهلك، دينك»

أرسلت إليه نظرات زائغة مخيفة، ثم غادرت الغرفة من غير أن تضيف كلمة واحدة. شرعت تذرف الغرفة جيئة وذهابا في خطى متثاقلة منهكة، ثم اتجهت صوب غرفتها، ارتمت على الكنبة ودفنت وجهها بين ذراعيها واستغرقت في بكاء مر.

لقد أدركت الآن فقط خطأها الجسيم الذي ارتكبته في حق نفسها وحق ابنها، وندمت بشدة لأنها تنكرت لقومها، لدينها، لهويتها ولخصوصيتها. لأنها جعلت ابنها أداة هذه الحرب الضروس. في هذه اللحظة العصيبة لاحت لها نقطة البداية، ارتعبت جوارحها، وانقبض صدرها، وأخذ قلبها يخفق بشدة.. في هذه اللحظة المريرة لاح لها أشباح الماضي، تلك الوحوش الضارية، تلك الأشباح المخيفة اعترضت سبيلها، وسلبتها اعز ما تملكه وألقتها عارية في قارعة الطريق. جردتها من ثيابها، جردتها من أمالها، من كينونتها، وسلبتها مفاتيح نفسها، سلبتها حريتها« عبثا تواسي نفسك، عبثا تلملمين جراحك، عبثا تتمسكين بهدف واه تعلقين عليه أوهامك، عبثا تتطلعين إلى الغير، تخطبين ودهم، تخشين حكمهم عليك، كما لو كنت في حاجة إلى الاطمئنان على وجودك، وجودك رهين بالغير، هذا الغير هو الجحيم!»

عند الصباح استيقظت فزعة وأسرعت على غرفة ابنها، تتفقدها فوجدته مستلقيا على ظهره يغض في نوم عميق. لا تدري كم من الوقت أنفقته قابعة أمامه تنظر إليه، تتأمل تقاطيع وجهه. عندما فتح عينيه نهض إليها وقبل بين عينيها، وقد سعدت بهذه القبلة كثيرا وأسرعت إلى المطبخ تعد الإفطار في حيوية ونشاط.

أمضت يوما رهيبا فرغم السعادة التي اجتاحتها فهي لا تقو على مطاردة الإحساس بالخوف وتشاغلت بتنظيف المنزل ومشاهدة التلفاز وعينها لا تفارق الباب وقلبها يهفو إلى الساعة.

عندما اقبل المساء جهزت المائدة بما لذ وطاب من طعام، جلست وهي تترقب عودة ابنها في شوق من أمضى عمرا ينتظر حبيبا طال غيابه. لكن الوقت مر كئيبا مضجرا من غير أن يفتح باب منزلها او يسمع صريره.

عندما أعيتها الحيلة جلست إلى المائدة وحاولت أن تتناول طعامها فلم تستطع. فاستلقت على الأريكة تغالب الدمع والحزن، تترقب عودة ابنها إليها في كل لحظة، لكن هيهات فقد مرت الساعات تلو الساعات من غير أن يلوح لها طيفه.

حاولت أن تتسلى، أن تغالط هذه الأحاسيس التي أمعنت في تعذيبها. تمددت على السرير تحرك يديها في عنف.. ثم شهقت شهقة عالية، وأخذت وديان الدمع تتهاطل على وجنتيها تغسل وجهها المنهك « لماذا تمعن في تعذيبي؟ ماذا فعلت لك؟ ألم أكن عونا لك في كل أحوالك؟» بدت كالمجنونة، لم تذق للنوم طعما. وفي الصباح شعرت ببعض الانفراج وعاودتها أمالها في عودة ابنها إليها، وتشاغلت مرة أخرى بالطهي والتنظيف. لقد أصبح حلمها الحقيقي أن يطرق باب غرفتها، أن يسمع صريره، أن يخبرها أيا كان بأن ابنها لا يزال يحبها، لا يزال لها، وسقطت اليوم أيضا فريسة الأوهام ونهبا للأحزان. ثم اقبل الليل حاملا ألوانا من الغم والاكتئاب، وأطلقت مرة أخرى العنان للبكاء والنحيب فقد أيقنت أنها أضاعت الطريق إلى ابنها مثلما أضاعت الطريق إلى عائلتها يوما.

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر