امي ... ذلك اللغز الرهيب الذي يحمل في ثناياه كل اسرار البقاء ..
امي ... ذلك السر العجيب الذي يكمن فيه كل معاني الجمال و النقاء ..
امي ... ذلك اللحن الشجي الذي يتمايل له الجسد و الفؤاد ..
امي ... ذلك القمر الاسر الذي يبدد ظلمة الكون و الفضاء ..
امي ... ذلك اللون البديع الذي أذهل عقول الحكماء ..


<?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" /> 

 

الضياع..

كتبهاهمسة ، في 10 يونيو 2008 الساعة: 15:23 م

عمدت سارة إلى الابتعاد عن يوسف لإحساسها الغامر بالهزيمة، فقد شعرت أن والدته – تلك المرأة الشرقية المستهترة – قد استحوذت على ابنها، وانه لا يعدو أن ينشأ مسالما مستهترا مثلها. وفي إحدى أمسياتها الفاترة استسلمت لذكرياتها القديمة عندما أقبل إليها يوسف وأخذ يبدي لها عن رغبته في الزواج منها بعدما أمضيا جزءا غير يسير من علاقتهما أبعدا ما يكونا عن التفكير في الارتباط. فماذا حدث لهذا الطفل المشاكس الذي خطا فترة طويلة مناضلا مكافحا من أجل إنجاح دراسته.

تذكرت في تلك اللحظة كيف كان يبدو سعيدا مرحا، كيف لم تفلح كل توسلاتها له بالتريث وانتظار ما تأتي به الأيام.

وأخذت تزفر زفرات عميقة، تتساءل وهي تتشاغل بتقليب صفحات مجلتها العلمية في حسرة وحيرة، لماذا لم تصغ إلي؟ لماذا استسلمت لألاعيب والدتك القذرة؟ لقد صرت اكبر من ذلك بكثير، لقد جنيت على نفسك، يؤسفني حقا أنك لم تحسن الاختيار.

لا تدري لماذا استسلمت لهذه الذكريات المشينة فقد مر عليها وقت كاف لطيها في سجل النسيان. لا تدري لماذا أضحت في سنواتها الأخيرة تصغي بشدة إلى هذا الصوت الضعيف المتأجج في صدرها، لا بد أنها تتألم، لا بد أنها تتعذب، فقد سئمت غربتها.

وبعد دقائق ليست بالقليلة فوجئت بطرقات هادئة أيقظتها من هواجسها فانطلقت نحو الباب، وقد بدا عليها التذمر الشديد فطالعتها صورة شاب منهك وحزين. ارتمت عليه وأخذت تمطره بقبلاتها، ثم أدخلته منزلها، بينما انشغل بتأمل جوانب بيتها الفسيحة، وأثاثه الذي ينبئ عن ذوق رفيع المستوى. جلست إلى جانبه، ولم تكف لحظة واحدة عن النظر إليه. بدا لها مختلفا. وضعت يدها في يده وطفقت تمطره بوابل من الأسئلة والاستفسارات.

لم يكن ذلك الشاب سوى يوسف الذي شعر في لحظة ضيق عارم أنه في حاجة إليها. وأخذ يبحث عن عنوان إقامتها، وعندما عثر على منزلها لم يتردد لحظة واحدة في طرق بابه، وامضي ليلته تلك لا يكف عن الحديث إليها، لقد أفضى إليها بكل مكنونات قلبه، باشتياقه إليها، برغبته المحمومة في الارتماء في حضنها.. هذا الأمان الذي ينشده شفاء لقلبه العليل وعقله الجامح وروحه الممزقة.

وأمضى أسبوعا كاملا في صحبة هذه المرأة العصامية التي أنفقت سنواتها الخمس في فرنسا تدرس وتكد وتعمل، أنفقت سنواتها القاسية المجحفة من غير أن تكل أو تمل، من غير أن تفكر لحظة واحدة في الزواج والارتباط كغيرها من النساء، بل وهبت نفسها للدراسة والعلم والتبحر في مجال تخصصها.. وهو لا يزال يذكر عندما كانت ترافقه إلى المكتبة، ويتأمل كيف تمارس طقوسها العلمية. وأخذ يرقب بملكته الفريدة ذلك الأنين الموجع، ذلك القلق المنبعث من عينيها المشعتين، فقد اكتشف كم هي تعيسة بالرغم من الاحترام الذي يكنه لها اقرانها بسبب شهادتها العلمية. وقد حاولت جاهدة سبر أغوار نفسه والوقوف على سبب حزنه.

وفي إحدى ليالي السمر الجميلة جلست إلى جانبه فور تناولهما وجبة العشاء، وأخذت تدردش معه حول مواضيع شتى، حتى إذا قاربت الساعة منتصف الليل مال إليها وسألها في برودة لا مثيل لها:

« لماذا تخليت عني؟؟»

ارتبكت وأخذت تغمغم ببضع كلمات محاولة التهرب من السؤال فسألها مرة أخرى في حزم واضح:

« لقد شعرت وأنا مازلت طالبا أنك تحاولين التهرب مني، لقد شعرت بعدما أمعنت في حبك وتقديرك أنك ستلقي بي عرض الحائط وأن أحوالي لا تهمك، ولا تعنيك في شيء»

قاطعته مستعطفة، وأجابته في لكنة حازمة:

« لا تسيء الضن بي أرجوك، كنت لا تعرف عن علاقتي بوالدتك إلا نزرا، هذه العلاقة القاتمة هي التي دفعتني دفعا إلى أن أتناسى أن لي الحق في أن أزورك وأتقرب منك، لكن والدتك رفضت هذه العلاقة، حاولت أن تستحوذ عليك»

« لا  أمي لم تفعل شيئا، كانت تعاملك بمنتهى اللطف، أنت لا تعرفين كم كنت أتعذب بسبب إحساسي بالغربة، إحساسي بأني لا اعرف في هذا الوجود شخصا غير أمي، هذا الإحساس القاتل هو الذي دفعني إلى تجشم المشاق والبحث عنك»

« تبحث عني!!»

« نعم ابحث عنك، كنت أحسبني قادرا على أن أعثر على هوية لي إذا ما رحلت إلى بلد اعتقدت أنها بلدي، وعاشرت قوما اعتقدت انهم اهلي، كنت أحسب ان أيسر سبيل للنجاة، أن خلاصي الوحيد قد يأتي من هذا الغرب الذي أتشدق بالانتماء إليه، اندفعت بكل قواي إلى الانغماس في هذه الحياة الجديدة، أقبرت ماضي المتعفن، تاريخي الهمجي الزاخر بالمعاناة والقلق، زرت الكنيسة، نعم زرت الكنيسة، انغمست في هويتي الجديدة حتى الأعماق، لكني لم اضفر بشيء، ما زلت حبيس ذلك الاحساس القاتل بالتيه والضلال، ما زلت سجين ذلك الماضي الأليم»

« ويحك، هل اعتنقت المسيحية؟؟»

« نعم!»

« أنت لا تعرف عن المسيحية شيئا، كيف تدين بدين لا تعرف عنه شيئا؟؟»

« كنت مسلما لكني لم أعرف عن الإسلام شيئا، لن أرتد القهقرى»

« حسن، أنت سعيد الآن بعد أن أقمت في بلدك واعتنقت دين أبيك؟»

«لقد أخطأت التقدير، اكتشفت مؤخرا أن سبب معاناتي ليس هذا الدين الذي أفنيت جهدي أبحث عنه، لست في حاجة إلى قس»

« ما هو سبب معاناتك؟؟»

« إنه بكل بساطة..»

ولاذ بالصمت، أخذ يرمقها بنظرات حادة ومخيفة ثم أردف وقد ازداد شحوبا وإطراقا.

« أنا لا أعرف سببا  لمعاناتي، لست ادري إن كنت محقا في كل ما تخيلته عن المجتمع الذي عشت فيه، أم أنني بالغت في تحقيره وتسفيهه»

ضحكت ضحكة عالية ثم ردت عليه في لهجة متهكمة:

« لماذا تمعن  في تعذيب نفسك؟ أنت تبالغ»

قاطعها وقد ابدي جدية في الموضوع:

« أنا لا أبالغ، إنني أتعذب فعلا، لست شخصا عاديا صدقيني»

دنت منه، ووضعت يدها في يده وهمست له:

« أنا أصدقك، لقد عرفت منذ أن تعاملت معك ذات يوم ونحن ما زلنا صغارا انك لست عاديا، بدوت لي شخصا من طراز غريب، نوع لم أتعرف عليه بعد، ذكاءك، فطنتك..»

ابتسم يوسف وهو يقاطعها:

« لست ذكيا كما تحاولين أن توهمي لي، أنا إنسان تافه ضعيف»

« لا تقل هذا، انزع هذه الأفكار السخيفة من رأسك، أنت أقوى من أي شخص أخر، أنت قادر على تخطي الأزمات»

صرخ يوسف:

« حاولي فهمي ارجوكي، ما زلت أعاني من الضياع»

« تريد أن تعرف سبب معاناتك؟؟»

« نعم»

« هي والدتك!»

بهت يوسف فقد تذكر والدته التي تركها فريسة الشكوك والأوهام، لماذا أسرع الخطى إلى هذه المرأة الجبارة المخيفة؟ ما الذي دفعه إلى تجشم المشاق من اجل البحث عن عنوان إقامتها، لماذا يبوح لها بأدق تفاصيل حياته؟ ما الذي دفعه إلى أن يفعل كل هذا؟ كيف هي والدته الآن؟ ثم.. ثم انتبه إليها وهي تصرخ في وجهه فرد عليها قد بدا عليه الوجوم والاكتئاب:

« لماذا تكرهين والدتي إلى هذا الحد؟؟ ماذا فعلت لك؟؟»

تعالت ضحكاتها:

« أنا أمقت والدتك! لا أنت مخطئ  حقا، إن والدتك قد أحكمت يوما قبضتها عليك، تريد أن تطرد أشباح الماضي، تريد أن تخرج من الكهف، عليك بوالدتك، لماذا لا تثور عليها؟ هي التي أوردتك الهلاك، هي سبب معاناتك الحقيقي»

رفض الإصغاء إليها فهو لا يزال يحب والدته، ولن يسمح لأي كان مهما كان قريبا منه أن ينال منها، فحاول أن يغير مجرى الحوار لكن سارة أصرت إصرار من يجد لذة في الحديث:

« أنت لا تعرف عن والدتك الشيء الكثير»

أجابها في نبرة غاضبة:

« أنا أعرف أمي أكثر منك، أكثر من أي شخص أخر، أنا لا أعرف في هذا الوجود شخصا غيرها»

تعالت ضحكاتها:

« لكنك لا تعرف شيئا عن ماضيها»

ارتد يوسف إلى الوراء.

« سأنصرف الآن»

ثم أسرع إلى غرفته يروم التنصل من حديث ملغوم بالحقد والكراهية. فاستوقفته نبرتها الساخرة:

« أنت لم تسألني عن ماضيها»

التفت إليها والشرر يتطاير من عينيه:

« لن تعدو أن تكون امرأة مثلك ومثل كل النساء»

« لست كأحد من النساء»

انفلتت من شفتيه ابتسامة ساخرة.

« لهذا السبب عزفت عن الزواج»

كانت كلماته الأخيرة صفعة قوية انفجرت على إثرها غاضبة، صرخت وهي تسدد سبابتها إليه مرتجفة:

« لماذا أتيت إلي؟ لتهينني»

أشاح بوجهه عنها:

« لو كنت اعلم انك لست إلا كتلة من الحقد والكراهية لرضخت لإرادة والدتي واستمررت في مقاطعتك، لكني انخدعت بمظهرك الهادئ وطبعك الرزين وشهاداتك العلمية، لست أهلا لكل هذا الحب والتقدير الذي أكنه لك»

لم تطق سماع هذه الكلمات فحاولت الإنكار لكن دون جدوى، فقلبها الحاقد البغيض نفض عن نفسه رداء العلم، هذا اللباس الذي تتدثر به.ا بدت عارية، سافرة أمام شاب أنفق عقدين من الزمن وهو يرفع لها أمارات الحب والتقدير. حاولت جاهدة أن تعيد الصفاء إلى علاقته بها، أن تخفي عنه كراهيتها العميقة لامرأة هي كل شيء في حياته.

وعندما أيقنت أنها فقدته وأنها لن تجده بعد الآن قالت في صوت متكسر متلعثم:

« لقد عثر والدك عليها في الشارع، لقد أتى بها من الشارع، والدك لم يحسن الاختيار، لقد أنقذها من ويلات العار طاردتها سنوات بعدما طردتها عائلتها، أتعرف لماذا طردتها عائلتها؟؟»

تسمر يوسف في مكانه، فقد أذهلته المفاجأة، ثم ارتمى على الكنبة، وقد اخذ منه الحزن مأخذا عظيما، التفت إليها منكسرا.

« بحق السماء لماذا تفعلين بي هذا؟؟ أهذا هو جزاء زيارتي لك؟ جزاء الأخطار التي تجشمتها وأنا ابحث عنك»

لم تبالي تلك المرأة المتغطرسة واستمرت في تعذيبه:

« طردتها عائلتها لأنها فقدت شيئا قد يكون بالنسبة إليهم ثمينا، وعندما شعرت بالنظرات تلاحقها لاذت بالفرار خوفا من العار»

لم يتفوه يوسف بكلمة واحدة، فقد أوجعته المفاجأة. ثم همس حائرا، أسرعت إليه ووضعته بين ذراعيها.

« لا تقل هذا أرجوك، والدك هو ذلك الفرنسي»

رفع إليها وجها مبللا بالدموع،

لاذت سارة بالصمت فقد اكتشفت خطاها الجسيم، وأخذت تحرك يديها في حيرة. لقد اكتشفت خطاها الجسيم، وأخذت تحرك يديها في حيرة، لقد عرفت بعد فوات الأوان أنها فتحت بابا لن يغلق أبدا. لكن يوسف أصر على انتزاع الحقيقة. جلس على كرسي فاخر، دفن وجهه بين ذراعيه وشرع ينتحب مثل الأطفال.

« خلت أن زيارتي لك، إلى حيث تقيمين ستريحني، ستنسيني كل شيء، خلتك الشفاء لقلبي العليل، خلتك المرفأ لعقلي الضال،  ليتني رضخت لإرادة والدتي»

أخذت تدنو منه شيئا فشيئا ثم ارتمت على ركبتيه وهمست في صوت مرتعش:

« لا تعذب نفسك، لا تسيء فهمي أرجوك!»

صرخ يوسف فقد أدركه اليأس:

« من أين لك بكل هذا؟؟ من أخبرك؟»

« أمي أخبرتني بكل شيء، كانت على علم بماضيها المتعفن، لقد أحكمت والدتك قبضتها على أبيك، وعندما أخبرته بأدق تفاصيلها لم يقو على التراجع، لم يكن يعنيه شيء غير رداء البراءة الذي أتقنت ارتداءه»

« يبدو أنكن جميعا تتقن ارتداء ملابس لا تليق بكن!»

ثم غادر المنزل وشرع يضرب في شوارع باريس من غير هدى.

حتى إذا أعيته الحيلة دلف إحدى المطاعم وتهاوى على كرسي وطفق ينظر إلى الناس من حوله، لماذا يضحكون؟ لماذا يتغامزون؟ لا شك أن لكل واحد وجهة، طريق يمشي عليه، لا شك أن كل واحد يعرف نفسه جيدا.. وهو كتبت عليه الحيرة، كتب عليه أن يتخبط في طريق شائك مبهم المعالم..

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر