توالت صيحات الأطفال في الشارع، ورقية تتقلب في فراشها، فجأة فتحت عينيها وبدأت تراقب المكان الذي يحتويها، ودقات قلبها تتسارع، جلست منكمشة على نفسها ثم التفتت إلى الساعة فوجدتها قد بلغت الثانية عشر ظهرا، وبدأت تفكر جديا في مغادرة هذا المنزل إلى غير رجعة، والعودة إلى قريتها لكنها تذكرت وعد أحمد لها بالعمل في المطعم فتراجعت عن فكرتها، بدأت تسخر من نفسها كالعادة، تسخر من تلك الفكرة الجميلة التي كونتها عن نفسها أو بالحري التي أوهمها الأخرون بها، فكرة قوة الشخصية وصلابة العزيمة فلما تلجأ إلى الدموع الآن، لم تركن إلى هذا الضعف العقيم، ثم كيف ستواجه مصيرها المخزي في ذلك المطعم إن كتب لها العمل فيه؟ كيف ستتعامل مع وضعها الجديد؟ كيف تستسيغ نظرات الإهانة والتحقير؟ كيف تقبل على مهنتها الجديدة هي التي لم تخلق لأجل هذا العمل، لم تحدث نفسها به من قبل، وعلاماتها الجيدة لا تزال راسخة في ذاكرتها. هبت واقفة وبدأت تذرع الغرفة جيئة وذهابا، ثم أسرعت الخطا إلى الباب كمن يجرب الفرار من كل شيء، و زادت رتابة الوقت وكآبته في تعذيبها. بعد ساعتين فتح الباب فانتفضت كالطائر الجريح وبدأت تصغي بكل جوارحها إلى كل ما يدور خارج الغرفة، لا شك أنه خالد فهو الذي يرفض بتصميم واضح مبدأ إقامتها بالمنزل وقد تحدث عن ذلك صراحة لكنها رغم ذلك لم تغادر المنزل وقد ألمها ذلك كثيرا وبدأت تتجرع مرارة الذل بعد أن استبيحت كرامتها بهذا الشكل المهين.
ثم انتظرت سويعات أخرى ليطرق باب غرفتها، فتحت الباب فبدا أحمد مبتسما كعادته، دلف الباب ثم جلس جلسته المعتدلة وقال في هدوء׃
_ لقد عرجت على المطعم، وتحدثت إلى صاحبه بشأن توظيفك لديه فأعطاني وعدا بذلك لكن بعد أسبوعين.
اسقط في يدها وطفقت تنظر إليه في ذهول فواصل حديثه׃
_ عليك أن تعدي الأوراق اللازمة، سيمدك بورقة لتجري التحليلات الطبية اللازمة.
صمت قليلا ثم أردف في لهجة مغايرة׃
_ رقية ماذا دهاك؟ ألم أقل لكي تصرفي في هذا المنزل كما يحلو لكي لكنك حتى هذه اللحظة ترفضين الطعام تأكدي أن إضرابك عن الطعام واستمرارك في البكاء سيضر بصحتك وأنت أحوج إليها الآن أكثر من أي وقت أخر.
قالت في صوت خفيض وهي لا تزال مطرقة׃
_ لن أقوى على الانتظار أكثر، علي أن أبحث عن عمل في مكان أخر.
_ لا داعي لهذا اليأس، يجب أن تحمدي الله لأن صاحب المطعم استمهلك أسبوعين فقط وهو لم يفعل ذلك إلا لأجل الصداقة التي بيننا.
_ تقول هذا وكأن العمل في المطعم يحلو لي.
_ لكنه الحل الأمثل!
ران صمت طويل، ثم قال وهو يحاول أن يبدد موجة الصمت القاتمة:
_ لقد اتصلت أمي بي صباحا وقالت بأن ابنة أختي تنوي زيارتي غدا.
_ ما اسمها؟
_ سامية هي تحبني كثيرا وقد تعودت أن استقدمها مرات عديدة، إنها مرحة وجميلة مثلك
وشرع يتحدث عن ابنة أخته بإسهاب وهي منشغلة عنه بالتفكير في مصيرها المخزي.
_ أنا لا أحتمل البقاء هنا أكثر علي أن أبحث عن مأوى يصلح لي، كرامتي المتبقية لن تسمح لي في هذا المنزل أكثر.. ماذا سيقول الناس عني؟ ثم ألا تر بأن صديقك يرفض بقائي هنا وقد تحدث عن ذلك صراحة.
صمتت قليلا ثم أردفت:
_ إنه محق في كل كلمة قالها!
_ سأخبره ببعض الحقيقة فيتفهم الأمر.
تراجعت قليلا ثم قالت له مستعطفة:
_ أرجوك لا تفعل لقد أخبرتك بأشياء تخصني لكني لا أريد للآخرين الاطلاع عليها لن أحتمل ذلك.
_ لا تخافي لن أخبره أبدا بما يسوءك عليك الاطمئنان
ويبدو أن أحمد مصر على فكرته فما إن قدم المساء حتى أقبل إليها باسما فاستقبلته بوجه شاحب وكيان مذعن، حاولت أن تصده، أن تتوسل إليه ليعدل عن موقفه ويدعها في سلام لكنه بدا مصمما فصدرت عنها صرخة مكتومة عمد إلى إسكاتها،
دفنت وجهها بين ذراعيها وشرعت تنتحب كالأطفال بينما ابتسم و هو يذكرها بالوعد الذي تلقاه منها البارحة.
_ أنا لم أعدك بشيء إني في حال سيئة، دعني في سلام
_ لن أغفر لكي ذلك ماذا عن الوعد الذي تحدثت به البارحة؟ ماذا عن ابتسامتك الرقيقة وكلامك الجميل؟؟
صمت قليلا ثم أردف في لهجة قاسية:
_ انزعي عنك ثوب البراءة، إنه لا يليق بكي
لم تقل شيئا وندمت بشدة لأنها لم تفر بنفسها إلى أي مكان أخر، مكان يحفظ لها كرامتها.
استطرد ساخرا:
_ من تحسبين نفسك ؟
ارتمت على الأرض وهي تتمتم:
_ أنا لا أساوي شيئا، أنا أحقر مما تتصور، فقط دعني في سلام أرجوك أتوسل إليك!
استدار وهو يهز رأسه وشرع يخطو في بطء ثم التفت إليها وصرخ في وجهها:
_ سأدعك في سلام لكني لن أحتمل رؤيتك في هذا المنزل، إن لم تغادري سأعمد إلى طردك.
ثم غادر الغرفة وبقيت وحدها ترتجف من شدة الخوف وتبكي في حرقة شديدة حياتها التي أضحت فريسة سهلة يتهافت عليها الذئاب.
لقد ضاع كل شيء الآن، ضاع حلمها الجميل، ضاعت زهرة أيامها الحلوة، وأوشك أملها الوحيد بالنجاة على الضياع أيضا، لكنها لن تسمح بذلك، بما ستفيدها الأخلاق؟ بما ستفيدها المبادئ؟ هل ستعيد إليها حياتها السهلة والجميلة؟ هل ستعيدها فتاة طليقة تخطو في بطء لتحقيق أهدافها؟
غادرت الغرفة في سرعة فلمحت النور ينبعث من المطبخ، توجهت إليه مسرعة فالتفت إليها:
_ ماذا هناك؟؟
حركت يديها في عنف.
_ أنت تعرف الموقف صعب!
تغيرت ملامحه فجأة، بدا شخصا مغايرا مسالما وبشوشا وقال في هدوء:
_ سامحيني لقد قسوت عليك.
_ أنا أفهمك جيدا لست غاضبة منك!
ثم انفجرت باكية، أنا غاضبة من نفسي، غاضبة من هذا القدر الذي دمر حياتي.
بدأ يدنو منها رويدا رويدا حتى أمسك يدها وهو يهمس:
_ لا تحملي نفسك فوق طاقتها، حاولي أن تخرجي من هذه القوقعة التي تحبسين نفسك فيها، تجاهلي الماضي بكل ما يحمله من مآسي وركزي على المستقبل.
استوقفتها هذه الكلمة الأخيرة _ المستقبل _ ياه كم يخيفها المستقبل!!
ثم ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها وبدأت تسخر من نفسها كالعادة..
_ لقد فقدت القدرة على عيش الحاضر فكيف لي أن أقبل على المستقبل؟
_ أنت الآن مسئولة عن نفسك ثقي بي لا تعيشي على مخلفات الماضي صمت قليلا ثم أردف:
_ ما حدث لكي ليس النهاية، حاولي أن تتغلبي على مشاكلك وضعي هدفا نصب عينيك، هدف يدفعك إلى الاستمرار، بهذا الشكل ستتغلبين على الأزمة وتستعيدين شخصيتك الحقيقية.
لقد اقتنعت رقية بكل كلمة قالها لأنها في حاجة إلى شخص يقنعها بأن الدنيا لا تزال بخير، بأن الحياة لا تزال تحتفظ لها بشيء يمكن أن تعيش لأجله.
غادر المطبخ وهو يقول لها:
_ اذهبي إلى غرفتك أنت متعبة وفي حاجة إلى النوم.
شكرته بعمق وتوجهت إلى غرفتها، ثم استسلمت للنوم.
. . . .
بالرغم من مرور يومين على مكوث رقية في المنزل إلا أنها لم تستوعب حياتها الجديدة بعد، فهي لا تزال حبيسة ذلك الجزء الخفي من مشاعر الإحباط واليأس التي تعتمل في داخلها. رغم الشهامة التي قل نضيرها البادية من خلال مواقف شتى
للشابين، فهي لا تفهم حتى هذه اللحظة لم يعاملها أحمد بهذه الطيبوبة وكأن الطيبوبة ذاتها تثير لديها أشكالا من الخوف والارتياب فماذا يريد منها هذا الشاب؟ لما قادها إلى بيته؟ ثم وجد لها عملا في سرعة تثير الدهشة والاستغراب معا؟ وما الذي يدفعه إلى إبقائها في بيته حتى هذه اللحظة؟ أليس هذا كله مدعاة للشك والارتياب؟
حاولت أن تستسيغ هذه الطيبوبة فلم تستطع، لأنها فقدت في لحظة قاسية الثقة في كل شيء حتى في نفسها ورغم أن قناعاتها التامة بتفاهة هذه الدنيا وقسوتها بدأت تتزحزح لتحل مكانها أفكارا أخرى لأوجه جميلة وخيرة لهذه الحياة. لكنها رغم ذلك لا تزال تئن تحت وطأة الخوف والإحباط، إنها لا تثق في شخص حتى وإن أبدى لها كل صنوف الطيبوبة والخير. و بدأت تخمن بجدية عن مصدر هذه الطيبوبة؟ أيعقل أن تنتج عن طبع جميل وهادئ أم هي خطة محكمة للإيقاع بها في فخ لا تعرف له أولا من أخر؟
لهذا السبب ولأسباب أخرى عدبدة قررت مغادرة المنزل. و عندما تناهى إلى أسماعها صوت سامبة وهي تقفز هنا وهناك اجتاحتها مشاعر غريبة فأسرعت الخطى نحو الباب ومدت يدها إلى المفتاح وهمت بإدارته في القفل، ثم فجأة تراجعت خطوتين إلى الوراء وبدأت تصغي إلى الطفلة وهي تتحدث إلى خالها في صوت طفولي بريء، ثم انتبهت إلى وقع أقدامهما وهي تتوجه نحو غرفتها، فأعدت نفسها للمفاجأة وما هي إلا لحظات قليلة حتى وجدت نفسها وجها لوجه أمام طفلة رائعة، ابتسمت إليها وبدأت تدنو منها رويدا رويدا حتى إذا لامست يدها منبت شعرها سألتها في رقة متناهية:
_ ما اسمك؟
فأجابتها في هدوء بالغ:
_ سامية وأنت ما اسمك؟
انفرجت أساريرها عن ضحكة صافية عذبة.
_ أنا رقية من الآن فصاعدا سنصبح صديقتين رائعتين.
احتاجت سامية لبعض الوقت كي تندمج بشكل كلي مع جليستها ويبدو أن هذه الطفلة قد نجحت فعلا في إخراجها من قوقعتها المظلمة حيث أصبحت لا تفارقها مطلقا وأمضيا يومهما كاملا جنبا إلى جنب.
وفي اليوم التالي بدأت رقية رحلة البحث عن سكن يصلح لها، لكنها لم تعثر على شيء يمدها بالأمل فاستسلمت لحالتها القديمة.
حاول أحمد جاهدا إقناعها بالمكوث في المنزل مدة أطول، لكنها رفضت بشدة فرافقها إلى فندق مناسب وشرعت تعد نفسها لخوض تجربة جديدة.
ثم قبل اليوم المحدد لاستلام العمل بالمطعم أقيل أحمد وهو يحمل إليها البشرى فقد عثر على المكان الذي يصلح لإقامتها. رفعت إليه وجها مذهولا وبدأت تتأمل تقاطيع وجهه المستبشرة أبعقل أن يخدمها بهذا الصبر والأناة من غير أن يطالبها بالمقابل هي التي علمتها الدنيا الخبيثة أن الخدمة لا تتم بالمجان؟! ولم تقو في خضم الخوف والذهول على إخفاء ما يعتمل في داخلها من مشاعر، نظرت إليه من غير أن تثير لديها البشرى قيد أنملة من فرح أو حبور. انتبه أحمد لصمتها المخيف فسألها:
_ ماذا دهاك؟ ألم تفرحك البشرى إنها الحقيقة لقد قادتني رجلاي إلى المكان الذي يصلح لإقامتك، إنها غرفة رحبة في منزل جميل تؤمه عائلات محافظة وفي حي نضيف، صمت قليلا ثم أردف:
_ أ لم يسعدك الخبر؟
هزت رأسها قليلا ثم سألته في صوت هادئ رنان:
_ لما تفعل من أجلي كل هذا؟ لقد أصبحت مثقلة بديونك ولا أحسبني أقوى على تسديدها.
أطلق ضحكة رنانة:
_ أنا مستعد للتنازل عنها!
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |